مقالات
علي محمد علي
علي محمد علي

كاتب وروائي

علي محمد علي يكتب: لنا الله

حاول الكاتب، في لحظة ضعف إنساني مفهومة، أن يُهذّب القادم، أن يُخضعه، أن يُقلمه ليصير أكثر قبولًا، أكثر أمانًا… لكني أرى أن تلك المحاولة—في جوهرها—بائسة.

مشاركة:
حجم الخط:

الكتابة لا تستجدى 

كل المحاولات التي استدعيتُ، أو قل استجديتُ فيها الكتابة، باءت بالفشل الذريع، وكان مصيرها الحذف أو سلة المهملات.
أدركت أن الكتابة ليست فعلًا إراديًا خالصًا، بل حالة من الاتصال الروحي بشيء ما؛ فيضٌ جارف من حكمةٍ تأتي، لا يملك الكاتب—مهما بلغت قدراته—أن يعرقلها أو يوقفها.

كل ما يستطيع فعله هو الخضوع، ومحاولة لملمة الشظايا المتناثرة، وإعادة توجيهها في مسارٍ لا يصطدم تمامًا مع روحه وقناعاته.

أنها الفيض 
ولن أخفي سرًا: أحيانًا يأتي هذا الفيض على عكس قناعات صاحبه. هنا تحديدًا تحدث المعجزة الحقيقية للكتابة، وتبدأ المعركة.

يحاول الكاتب، في لحظة ضعف إنساني مفهومة، أن يُهذّب القادم، أن يُخضعه، أن يُقلمه ليصير أكثر قبولًا، أكثر أمانًا… لكني أرى أن تلك المحاولة—في جوهرها—بائسة.
لأن هذا “التهذيب” المزعوم لا يفعل إلا أن يُضعف الفيض، ويُربك الاتصال، وربما يطمسه تمامًا، فتخرج الكتابة باهتة، مسطّحة، بلا روح. وتلك—في تقديري—جريمة في حق الفكرة قبل أن تكون في حق الكاتب.
لكن، وللإنصاف، للكاتب أعذاره.

فليس كل أحد قادرًا على دفع ثمن الصدق كاملًا.

التصادم مع المجتمع، ومناهضة أفكاره السائدة، له كلفة باهظة، لا يتحملها إلا القليل. وهنا تبدأ المساومة: قليل من الصدق… وقليل من المداهنة… ومساحة رمادية يعيش فيها النص، لا هو قال كل شيء، ولا هو صمت.

وقد رأينا ذلك—بدرجات متفاوتة—حتى عند كبار الكُتّاب. لا طعنًا فيهم، ولا انتقاصًا من قيمتهم، ولكن توصيفًا لحالة إنسانية تتكرر. فهم—كغيرهم—كانوا جزءًا من سياقات وضغوط، فرضت عليهم أحيانًا أن يهادنوا، أو يؤجلوا، أو يلتفوا حول ما لا يمكن قوله صراحة.
وفي المقابل، هناك من اختار طريقًا آخر؛ التزم بما جاءه كما هو، ورفض المساومة. فكان الثمن قاسيًا: تهميش، أو اغتيال معنوي، وربما ما هو أكثر. والتاريخ—قديمه وحديثه—لا يخلو من أمثلة.
ولست هنا بصدد تعدادها… ربما لأنني، مثل غيري، لا أملك الشجاعة الكاملة، أو ربما لأنني—ببساطة—أكتب الآن عن الحالة، لا عن الأشخاص.
الحقيقة أني غير معني بردود الأفعال، بقدر ما يعنيني رصد تلك اللحظة النقية في الإبداع: لحظة الفيض، وما يعتريها من ضعف أو مقاومة أو مساومة.
وفي النهاية…
نحن—في الغالب—أبناء تلك المساحات الرمادية، نحاول أن نقترب من الصدق قدر ما نستطيع، ونخاف منه قدر ما نستطيع أيضًا.
لنا الله…
ولمصر دعاؤنا، أن يحميها من الفتن.

شارك المقال: