آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلزال هرمز (15)  آخر الكلام : اختراق غرف اتخاذ القرار

في قبو الحصن العسكري (الكرياه) في تل أبيب، حيث شاشات الرصد الحراري والمسارات الصاروخية تضيء الوجوه بوميض أحمر خافت، لا تبدأ الاجتماعات بتقدير الموقف السياسي، بل بتقرير "الخسائر في هامش الوقت".

مشاركة:
حجم الخط:

 آخر الكلام 

لا يُقاس نجاح العمليات النوعية في هرمز وجنوب لبنان بحجم الدمار الذي تخلفه، بل بمدى “تآكل الهامش الزمني”

المتاح لصناع القرار في تل أبيب وواشنطن لاتخاذ قرار الهجوم أو التراجع، ففي غرف العمليات المشتركة التي تُدار منها هذه المعارك، يتم التخطيط لعمليات ليست عشوائية، بل هي “ضربات توقيتية” تهدف لإجبار الخصم على اتخاذ قرارات متسرعة تحت ضغط النيران، حيث تُجبر المسيرات والصواريخ الفرط صوتية مراكز القيادة والسيطرة (C4I) على مراجعة بروتوكولات الرد في غضون دقائق، مما يحول “القرار الاستراتيجي” من عملية تقييم هادئة للمخاطر إلى “رد فعل دفاعي” يفقد معه صاحب القرار زمام المبادرة.

حين تصبح خرائط الميدان هي الوثيقة الوحيدة على طاولة القيادة

في قبو الحصن العسكري (الكرياه) في تل أبيب، حيث شاشات الرصد الحراري والمسارات الصاروخية تضيء الوجوه بوميض أحمر خافت، لا تبدأ الاجتماعات بتقدير الموقف السياسي، بل بتقرير “الخسائر في هامش الوقت”.

رئيس الأركان، إيال زامير، يراقب بعينين لا تفارقان شاشات التنسيق مع “سنتكوم”، بينما يهمس لضباط العمليات في (إدارة العمليات – إيتزيك كوهين) بكلمة واحدة: “ما هي التكلفة؟”

هنا، لا يوجد وقت للإنشاء

فكل دقيقة تمر دون رد تعني انحساراً في هيبة الردع، وفي الغرفة المجاورة، يراقب بنيامين نتنياهو ردود الفعل من البيت الأبيض، مدركاً أن أي قرار فردي دون “ضوء أخضر” من ترامب سيفتح صدعاً في جدار التحالف العسكري العضوي الذي تم تعزيزه في اجتماعات فبراير.

على الجانب الآخر من المحيط، في المركز الوطني للقيادة العسكرية (NMCC) بالبنتاغون، المشهد أكثر برودة ولكن بنفس القدر من الحدة.

القادة العسكريون هناك، تحت إشراف مباشر من رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، لا يقرأون الخرائط كجغرافيا، بل كـ “سلاسل إمداد”.

القرار الذي يُتخذ في واشنطن يمر عبر “فلتر” الربح والخسارة؛ حيث يدرك ترامب – الذي يتابع التطورات لحظة بلحظة- أن أي انزلاق لمواجهة شاملة يعني ضربة مباشرة لأسواق الطاقة العالمية، وهو ما يجعله في حالة نقاش محموم مع مستشاريه حول: هل نكتفي “بتحجيم التهديد” أم ننتقل إلى “تغيير الواقع”؟

ديناميكية اللحظة

تتخذ القرارات في غرف العمليات هذه عبر آلية “تطابق السيناريوهات”. عندما تطلق مسيرة أو صاروخ من الجنوب اللبناني أو هرمز، يُفعل بروتوكول التنسيق:
– الاستشعار والتحليل: (وحدة 8200 في إسرائيل ومركز الاستخبارات المركزي في واشنطن) يحللان “بصمة العملية”؛ هل هي رسالة أم بداية هجوم؟

 عرض الخيارات

يطرح الجنرالات (إيتزيك كوهين في تل أبيب ودانيال كين في واشنطن) قائمة خيارات عسكرية تتراوح بين “ضربة جراحية” أو “حملة استنزاف تقني”.
 -الحسم السياسي: تنتهي اللحظة في “غرفة الهاتف الأحمر”؛ حيث يضع نتنياهو رهانه على “القدرة التدميرية” لضمان أمنه السياسي، بينما يزن ترامب – بمنطقه التجاري- مدى إمكانية “ترجمة الضربة إلى اتفاق” يخدم أجندته الداخلية قبل أن تتسع رقعة الفوضى.
هذا الربط ليس إنشاءً، بل هو وصف حي لدورة صنع القرار؛ فالميدان في هرمز لا يترك للجنرالات في الكرياه أو البنتاغون رفاهية التفكير، بل يملي عليهم “إيقاع الاستجابة”.

صناع القرار هنا ليسوا أصحاب “إرادة مطلقة”، بل هم رهائن لـ “سلسلة النتائج” التي يفرضها نجاح كل مسيرة في الوصول لهدفها.

معركة التوقيت 

إن ما نراه اليوم في غرف العمليات هو “معركة التوقيت”؛ فالمحور الإقليمي الذي يدير جبهاته بتنسيق دقيق يهدف إلى إحداث “تشبع” في أنظمة الدفاع والقرار لدى الخصم، مما يحول قدرة البنتاغون والكرياه على “القرار الموحد” إلى سلسلة من القرارات المشتتة التي تأتي دائماً “بعد فوات الأوان” في الميدان.

هنا يدرك القارئ أن زلزال هرمز لم يضرب الملاحة فحسب، بل ضرب “عقيدة القرار” التي كان الغرب يتوهم أنه يحتكرها؛ فبات الميدان هو الذي يكتب الأوامر، والجنرالات في واشنطن وتل أبيب هم مجرد منفذين لسيناريوهات لم يعودوا يملكون رفاهية اختيار بدايتها… أو نهايتها.

على طاولة القرار في “الكرياه” (بتل أبيب) أو “البنتاغون”

هناك صراع مكتوم بين تيارين؛ تيار يرى أن استمرار العمليات يعني “انتحاراً استراتيجياً” إذا لم يتم حسم الميدان برياً، وتيار آخر يدرك أن أي اجتياح يعني “فخاً مفتوحاً” سيؤدي إلى استنزاف كامل للمخزون الصاروخي والذخائر الموجهة التي تعاني من نقص في سلاسل الإمداد العالمية. هذا الانقسام ليس تحليلاً، بل هو انعكاس للفجوة بين أهداف الميدان والقدرات اللوجستية للدولة؛ ففي كل مرة تخترق فيها مسيرة الأجواء وتصل لهدفها، يضطر القادة لترحيل خيار “الحرب الشاملة” إلى أجل غير مسمى، لأنهم لا يملكون ضمانة “تصفير التهديد”، مما يجعل “غرف القرار” في حالة استنزاف يومي لقدرتها على الإقناع بأنها لا تزال تسيطر على مسار الصراع.

في المقابل، في غرف القيادة الإقليمية (المحور)

القرار ليس منفصلاً عن الواقع، بل هو “قرار تكاملي”؛ إذ يتم تفعيل الجبهات بناءً على “معادلات الضغط” التي يفرضها الميدان على العدو. الربط هنا تقني ومباشر: عندما تشتد الضغوط في هرمز، تترجم مباشرة إلى شلل في اتخاذ القرار بشأن أي تحرك بري في لبنان، لأن الخصم لا يستطيع فتح جبهتين تتطلبان مستويات مختلفة من الإسناد الجوي والدفاعي. هذا هو “الربط” الذي تبحث عنه: أن العمليات في الخليج ليست “تضامناً معنويًا”، بل هي “توزيع مدروس للأحمال القتالية” التي تستهدف إفراغ غرف عمليات العدو من قدرتها على التركيز، مما يحول قدرة الخصم على “القرار الموحد” إلى “قرارات مجزأة” ومتناقضة، وهو ما يخدم في نهاية المطاف استراتيجية “الحرب المتصلة”.

الخلاصة

نحن لا نرى حرباً فحسب، بل نرى “معركة لإعادة برمجة عقل القرار لدى الخصم”. فكلما زاد ضغط الميدان، تقلصت الخيارات السياسية، وتلاشت قدرة “صناع القرار” على المراهنة على حلول وسط؛ لقد دفع الميدانُ الجميعَ إلى زاوية ضيقة حيث لا يوجد حل سوى “القبول بالواقع الميداني الجديد” أو الانزلاق نحو مواجهة لا يملك أحد خرائط نهايتها. هذا ليس إنشاءً، بل هو وصف للحظة التي يصبح فيها “القرار السياسي” مجرد موظف لدى “نتائج الميدان”

شارك المقال: