إبداع
محمد رفعت
محمد رفعت

كاتب صحفي وأديب روائي

حينما يولد الإبداع من رحم الوجع

ومن هنا تكتسب هذه القصيدة، التي كتبها الشاعر المبدع الكبير أحمد شلبي، عمقها الحقيقي حين نقرأها بوصفها مرثية في ذكرى وفاة إبنه الذي رحل عن عالمنا وهو في ريعان الشباب

مشاركة:
حجم الخط:

الشاعر الكبير أحمد شلبي يرثي إبنه

يا حبيبًا .. عشقتْ رُوحي رؤاهْ
وتنفّسْتُ – مع العُمْر – هواهْ

منذُ أن أقبلْتَ صبحًا باسمًا
سجدَ القلبُ رَضِيًّا للإلهْ

فإذا تضحكُ .. فالدنيا بدَتْ
أيَّ وردٍ .. يملاُ الكونَ شذاهْ!

وإذا تلعبُ .. فاللهْوُ معًا..
مَن رأى ظنّ أخاهُ .. لا أباهْ

كم تسامَرْنا .. وكم طافت بنا
قصصٌ أنْسجُها نَسْجَ الرواةْ

ذكرياتٌ .. كلما مرّت على
خَلَدي .. أجْهَشْتُ والْتَعْتُ بـ”آهْ”

آهِ مِن لوعةِ قلبٍ .. نورَهُ
كنتَ .. والبهجةَ فيه .. والحياةْ

هل إلى مثواكَ مَن يحْملُني
لأرى بعضي المُسَجَّى في ثَراه

رؤية نقدية
تاريخ شعر الرثاء في الأدب العربي هو تاريخ مواجهة الإنسان لفكرة الفقد، وهو من أصدق الأغراض الشعرية وأكثرها التصاقا بالتجربة الإنسانية الخالصة.
لم يكن الرثاء في جوهره مجرد تعداد لمناقب الراحلين، بل كان مساحة اعتراف وجداني، وبوحا بالحزن، ومحاولة لترميم الفقد بالكلمة. من الخنساء التي حولت حزنها إلى أيقونة شعرية خالدة، إلى مراثي الآباء والأبناء التي كتبت بمداد القلب، ظل الرثاء فنا يقاس بصدق التجربة لا بزخرف اللغة.

ومن هنا تكتسب هذه القصيدة، التي كتبها الشاعر المبدع الكبير أحمد شلبي، عمقها الحقيقي حين نقرأها بوصفها مرثية في ذكرى وفاة إبنه الذي رحل عن عالمنا وهو في ريعان الشباب، إذ تتحول مفردات الحب والدهشة والبهجة إلى شواهد موجعة على فقد لا يعوض، وتغدو العاطفة فيها صافية ومركزة، نابعة من تجربة إنسانية قاسية لا مجال فيها للتصنع أو المبالغة.

من أبرز مميزات النص قدرته العالية على تحويل الرثاء من خطاب حزين مباشر إلى مساحة وجدانية مفعمة بالحنان والذاكرة. الشاعر لا يرثي ابنه بالبكاء وحده، بل يستعيد حضوره في تفاصيل الحياة اليومية، في الضحكة واللعب والسمر، وهو ما يمنح الفقد بعده الإنساني الكامل، ويجعل الغياب أكثر إيلاما لأنه مشبع بالحياة.

اللغة هنا شديدة النقاء، مشحونة بعاطفة أبوة شفيفة، تخلو من الخطابة أو التهويل، وتعتمد على صور بسيطة لكنها مؤثرة، مثل سجود القلب رضا، أو امتلاء الكون بشذى الضحك. هذه الصور لا تعمل بوصفها زخرفة بل كامتداد طبيعي لإحساس الأب الذي رأى في ابنه معنى الوجود وبهجته.

القصيدة تنجح في الجمع بين الرثاء والحب والقداسة، حيث يبدو الابن نور القلب وروحه، وحيث يتحول الدعاء والرضا إلى آلية داخلية لمقاومة الفقد. هذا المزج يمنح النص بعدا روحيا عاليا، ويجعل الحزن فيه ساكنا وعميقا، لا صاخبا أو منفلت الدموع.

الإيقاع الهادئ والمتزن يخدم طبيعة الرثاء، ويمنح القصيدة نفسا طويلا من التأمل، فيما تأتي الخاتمة شديدة التأثير، حين يتماهى الشاعر مع ابنه، ويرى جزءا من ذاته مسجى في ثراه. إنها خاتمة تختصر جوهر التجربة كلها، حيث لا يكون الراحل شخصا آخر، بل امتدادا للذات المكسورة.

شارك المقال: