تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. هل تتحول المهلة إلى فرصة للإصلاح؟
يُقترح التأجيل بسبب عدم اكتمال الاستعدادات الفنية والتكنولوجية لتطبيق إجراءات مثل التحقيق والمحاكمة عن بُعد. ويرى منتقدون أن المهلة يجب أن تُستغل أيضًا لمراجعة مواد الحبس الاحتياطي، وحضور المحامي، وتفتيش المساكن، والمنع من السفر، وضمانات المحاكمة العادلة.
تبحث لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب المصري مقترحًا
لتأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام، قبل الموعد المقرر لبدء سريانه في الأول من أكتوبر 2026.
ويأتي المقترح، وفق المصادر الواردة في التقرير، بسبب عدم اكتمال الاستعدادات الفنية والتكنولوجية،
بينما يرى حقوقيون ومحامون أن المهلة يجب أن تُستغل أيضًا لمراجعة المواد المتعلقة بالحبس الاحتياطي
وحقوق الدفاع والتفتيش والمحاكمة عن بُعد.
محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين مصريين غيابيًا في قضية جوليو ريجيني
تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في مصر.. هل تتحول المهلة إلى فرصة للإصلاح؟
تبحث لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب المصري مقترحًا لتأجيل بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام،
قبل ساعات من الموعد المقرر لدخوله حيز التنفيذ في الأول من أكتوبر 2026.
وبحسب المصادر الواردة في النص، يرتبط المقترح بعدم اكتمال الاستعدادات الفنية والتكنولوجية اللازمة
لتطبيق بعض أحكام القانون، خصوصًا ما يتعلق بالتحقيق والمحاكمة عن بُعد، والنماذج الإلكترونية،
وآليات العمل الجديدة داخل المحاكم والنيابات.
ولم يكن قد صدر، وقت إعداد التقرير، قرار نهائي بشأن التأجيل،
إذ كان المقترح لا يزال قيد البحث داخل اللجنة التشريعية، تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة لمجلس النواب.
اجتماع برلماني قبل بدء تطبيق القانون
يأتي الاجتماع في توقيت حساس، إذ كان القانون مقررًا أن يبدأ العمل به في الأول من أكتوبر.
ووفق ما نُقل عن النائب والإعلامي مصطفى بكري، فإن التأجيل المقترح يستهدف منح الجهات المعنية
وقتًا إضافيًا لاستكمال البنية التكنولوجية وتدريب العاملين على الإجراءات الجديدة.
وتشمل المنظومة التي ينظمها القانون عددًا من المسائل المستحدثة أو التي جرى تنظيمها بصورة أكثر تفصيلًا،
من بينها التحقيق والمحاكمة عن بُعد، والمنع من السفر، وقوائم ترقب الوصول، وحماية الشهود،
والتعاون القضائي الدولي، والتعويض عن الحبس الاحتياطي في حالات محددة.
قانون واسع أثار جدلًا منذ إقراره
أقر مجلس النواب مشروع قانون الإجراءات الجنائية في أغسطس 2025، قبل إحالته إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه.
وفي سبتمبر من العام نفسه، أُعيد المشروع إلى البرلمان لمراجعة مواد تتعلق بحرمة المساكن،
وضمانات المتهمين، وبدائل الحبس الاحتياطي، إلى جانب معالجة الصياغات التي قد تؤدي إلى تعدد التفسيرات عند التطبيق.
ووفق المعلومات الواردة في النص، ناقش البرلمان اعتراضات على ثماني مواد من أصل 552 مادة،
قبل إعادة تمرير التعديلات. غير أن منظمات حقوقية رأت أن حصر المراجعة في عدد محدود من المواد لا يعالج،
من وجهة نظرها، الإشكالات الأوسع المرتبطة ببنية القانون.
الحبس الاحتياطي وتدوير المتهمين
يمثل الحبس الاحتياطي محور الانتقاد الأبرز للقانون. فعلى الرغم من النص على تقليص مدد الحبس وتوفير بدائل له،
يرى منتقدون أن الضمانات الواردة لا تمنع بالضرورة استمرار الحبس لفترات طويلة
أو إعادة حبس الشخص على ذمة قضايا جديدة بالوقائع أو الاتهامات نفسها.
وتنتقد منظمات حقوقية كذلك شروط التعويض عن الحبس الاحتياطي،
معتبرة أن اشتراط عدم حبس طالب التعويض على ذمة قضايا أخرى قد يحد من الاستفادة العملية من هذا الحق.
في المقابل، تقول الحكومة ومؤيدو القانون إن النص يستهدف تقليل اللجوء إلى الحبس الاحتياطي،
وتوسيع نطاق التدابير البديلة، وتحقيق توازن بين مقتضيات التحقيق وحماية الحرية الشخصية.
صلاحيات واسعة في المنع من السفر
ينظم القانون إجراءات المنع من السفر ووضع الأشخاص على قوائم ترقب الوصول.
ويرى منتقدون أن اتساع نطاق تطبيق هذه التدابير، وإمكانية استمرارها لفترات طويلة،
قد يحولها من إجراءات احترازية استثنائية إلى قيود ممتدة على حرية التنقل.
وتتركز المطالب القانونية في ضرورة وجود قرار قضائي مسبب، ومدة زمنية محددة، وآلية سريعة وفعالة للتظلم والمراجعة.
المادة 105 وحق حضور المحامي
أثارت المادة 105، الخاصة بحضور المحامي أثناء استجواب المتهم أو مواجهته، اعتراضات من نقابة المحامين.
وتتمسك النقابة بأن الأصل هو عدم بدء التحقيق مع المتهم إلا بحضور محاميه،
وأن الاستثناءات الواسعة قد تجعل حضور الدفاع شكليًا أو تسمح بإجراء التحقيق في غيبته.
وترى النقابة أن الصياغة محل الاعتراض قد تنتقص من حق الدفاع،
بينما تؤكد الحكومة توافق القانون مع الدستور والالتزامات الدولية لمصر.
كما أشارت النقابة إلى إمكانية اللجوء إلى الطعن بعدم دستورية النص إذا صدر بصيغته محل الخلاف.
تفتيش المساكن ودخولها
يتطلب القانون، كأصل عام، صدور أمر قضائي مسبب لدخول المساكن أو تفتيشها أو مراقبتها.
إلا أن منتقدين يطالبون بتحديد الجزاء المترتب على مخالفة هذه الضوابط بصورة أكثر وضوحًا.
ويتمحور الخلاف حول مدى ترتيب البطلان على التفتيش المخالف، وعلى الأدلة الناتجة عنه،
إضافة إلى اتساع بعض الاستثناءات التي تسمح بدخول المسكن دون إذن قضائي في حالات الخطر أو الاستغاثة.
ويحذر منتقدون من أن الصياغات العامة قد تؤدي إلى تفسيرات متباينة من محكمة إلى أخرى،
ما لم تحدد اللائحة التنفيذية أو الأحكام القضائية ضوابط دقيقة لتطبيقها.
المحاكمة عن بُعد بين تحديث العدالة وضمانات الدفاع
يمنح القانون مساحة أكبر لاستخدام وسائل الاتصال الحديثة في التحقيق وتجديد الحبس والمحاكمة عن بُعد.
وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات ستسهم في تسريع الفصل في القضايا، وتقليل أعباء نقل المتهمين وتأمينهم.
لكن منظمات حقوقية ترى أن استخدام الاتصال المرئي بصورة متكررة قد يؤثر في حق المتهم في التواصل الفعال مع محاميه،
ويحد من قدرة المحكمة على تقييم حالته بصورة مباشرة.
كما تطرح هذه المنظمات تساؤلات حول قدرة المحكمة على التأكد من عدم تعرض المتهم لضغوط داخل مكان الاحتجاز،
وتطالب بأن يظل الحضور المباشر هو الأصل، وأن يكون اللجوء إلى التقنية استثناءً مسببًا.
تقييد الاتصال والزيارة
ينتقد حقوقيون بعض الصلاحيات المتعلقة بتقييد اتصال المحبوس احتياطيًا بغيره أو منع الزيارة عنه.
وتتمثل المخاوف في غياب حدود زمنية واضحة لبعض القيود، وعدم توفير آلية سريعة وفعالة للتظلم منها.
وقد يؤدي استمرار هذه القيود، بحسب المنتقدين، إلى عزل المتهم عن أسرته ودفاعه، والإضرار بقدرته على إعداد دفاعه.
انتقادات لغياب الحوار المجتمعي
طالبت نقابة المحامين ومنظمات حقوقية وأطراف سياسية وقانونية بإجراء حوار أوسع حول القانون،
يضم القضاة والمحامين وأساتذة القانون ومنظمات المجتمع المدني.
وترى هذه الأطراف أن أهمية قانون الإجراءات الجنائية كانت تستدعي مناقشة مجتمعية ممتدة،
خصوصًا أن القانون ينظم العلاقة بين سلطة التحقيق وحقوق المتهم وضمانات المحاكمة العادلة.
كما انتقدت بعض الجهات طرح تعديلات جوهرية خلال فترة زمنية قصيرة،
معتبرة أن ذلك لا يتيح مناقشة كافية للآثار العملية للنصوص.
الحكومة: القانون يحدّث منظومة العدالة
في المقابل، تؤكد الحكومة ومؤيدو القانون أنه يمثل تحديثًا شاملًا لمنظومة العدالة الجنائية،
وينظم مسائل لم تكن مؤطرة بصورة كافية، مثل المنع من السفر، وقوائم ترقب الوصول،
وحماية الشهود، والتعاون القضائي الدولي، والتعويض عن الحبس الاحتياطي.
كما يشير المؤيدون إلى أن القانون يستهدف تبسيط الإجراءات، وتقليل مدد الحبس الاحتياطي،
وتوسيع البدائل، وتسريع الفصل في القضايا.
ويقول مؤيدو القانون إن تقييمه يجب أن يستند إلى النص النهائي ولائحته التنفيذية وطريقة تطبيقه،
لا إلى المخاوف النظرية وحدها.
هل تكفي سنة التأجيل؟
إذا أقر البرلمان تأجيل التطبيق، فإن نجاح المهلة سيتوقف على طبيعة الإجراءات التي ستُتخذ خلالها.
فالاستعداد الفني وحده لا يكفي لتطبيق قانون بهذا الحجم. وستحتاج الجهات المعنية إلى تحديد قواعد واضحة
لاستخدام التحقيق والمحاكمة عن بُعد، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين وموظفي المحاكم،
فضلًا عن اختبار الأنظمة الإلكترونية قبل بدء التطبيق.
كما تتيح المهلة إعادة النظر في المواد الأكثر إثارة للجدل، وفي مقدمتها:
- الحبس الاحتياطي وتدوير المتهمين.
- ضمان حضور المحامي أثناء التحقيق.
- ضوابط دخول المساكن والتفتيش.
- المنع من السفر وقوائم ترقب الوصول.
- تقييد الزيارة والاتصال.
- شروط التعويض عن الحبس الاحتياطي.
- حدود استخدام المحاكمة عن بُعد.
- الجزاءات المترتبة على مخالفة الإجراءات.
وبذلك، قد يمنع التأجيل ارتباكًا إداريًا عند بدء التطبيق، لكنه لن يعالج الانتقادات التشريعية وحده.
وتظل المهلة فرصة حقيقية للإصلاح فقط إذا استُخدمت في مراجعة النصوص، وإجراء حوار مهني ومجتمعي،
ووضع ضمانات تنفيذية واضحة تكفل التوازن بين مكافحة الجريمة وحماية حقوق المتهمين.
شاركنا برأيك