مقالات

إذا صفت رأت (8)

حين نقترب من شعر ابن الفارض نجد أن الإيقاع يعمل كقوة دافعة للمعنى البيت لا يكتفي بنقل فكرة الحب الإلهي، بل يخلق إحساسًا متصاعدًا بالامتلاء، الكلمات تتكرر بصيغ متقاربة

مشاركة:
حجم الخط:

المقام الثامن

أحمد عبد الجواد 
الطواف في الشعر الصوفي.. كيف تُكتب التجربة؟

الشعر الصوفي لا يُقرأ كما تُقرأ القصائد التي تحكي قصة أو تصف مشهدًا أو تُعلن فكرة واضحة.. إنه يُقرأ كما يُقرأ أثرٌ داخلي.. كما يُصغى إلى صوت يأتي من مسافة بعيدة ثم يقترب ببطء حتى يصبح جزءًا من الإحساس نفسه، القارئ لا يتابع أبياتًا مرتبة في سياق منطقي.. لكنه يدخل حالة تتشكل فيها اللغة مثل موجٍ متتابع.. كل موجة تحمل المعنى ذاته في صورة مختلفة.
هذا الطابع لا يظهر عند شاعر واحد.. إنه سمة مشتركة تكاد تتكرر عبر العصور.. كأن الشعر الصوفي يكتب نفسه وفق منطق داخلي ثابت منطق يقوم على أن التجربة الروحية لا تُقال دفعة واحدة تُحاط تُلمس تُدار حولها الكلمات كما يدور المتأمل حول معنى لم يكتمل بعد.
حين نقترب من شعر ابن الفارض نجد أن الإيقاع يعمل كقوة دافعة للمعنى البيت لا يكتفي بنقل فكرة الحب الإلهي، بل يخلق إحساسًا متصاعدًا بالامتلاء، الكلمات تتكرر بصيغ متقاربة، النبرة ترتفع ثم تهدأ ثم تعود أكثر عمقًا.. القارئ يشعر أنه يتحرك داخل موجة شعورية لا داخل بناء منطقي جامد، وهذا الإيقاع ليس عنصرًا موسيقيًا فقط.. إنه أداة لبناء التجربة داخل النص.
وفي نصوص محيي الدين بن عربي الشعرية يظهر جانب آخر من الأسلوب.. جانب الانفتاح الدلالي.. الصورة لا تستقر عند معنى واحد.. تتحول إلى مرآة متعددة الأوجه.. اللفظة الواحدة تحتمل قراءة حسية وروحية وفلسفية في الوقت نفسه .. هذه المرونة تجعل النص قابلًا لإعادة الاكتشاف مع كل قراءة جديدة.
أما عند الحلاج فتأخذ اللغة طابعًا مكثفًا شديد التوتر.. الجملة قصيرة.. حاسمة.. كأنها ومضة ضوء في ظلام كثيف .. الكلمات تعمل كشرارة.. تفتح فجأة أفقًا واسعًا من المعنى ثم تترك القارئ في حالة تأمل طويل، وهذا الاقتصاد في العبارة لا يقلل من عمق التجربة.. إنه يزيدها كثافة.

وفي تجربة رابعة العدوية يظهر أسلوب مختلف.. بساطة ظاهرة تخفي عمقًا شديدًا.. اللغة تبدو قريبة من الدعاء اليومي.. غير أن هذه البساطة تمنح العبارة قوة خاصة.. والقارئ يشعر بصدق مباشر لا يحتاج إلى زخرفة .. هذه القدرة على الجمع بين الصفاء والعمق أحد أسرار تأثير الشعر الصوفي عبر الزمن.
وعند جلال الدين الرومي نجد أن الصورة الشعرية تتحول إلى حركة مستمرة.. النص لا يقف عند استعارة واحدة.. ينتقل من رمز إلى آخر النور يتحول إلى شمس،  الشمس إلى نار، النار إلى عشق،  كأن اللغة نفسها تسير في طريق لا نهاية له .. هذه الحركة تمنح النص حيوية دائمة.
من خلال هذا الطواف يظهر أن الشعر الصوفي يقوم على ثلاث ركائز أسلوبية كبرى.. الركيزة الأولى هي الإيقاع الداخلي.. التكرار ليس حشوًا بل وسيلة لبناء حالة شعورية متدرجة.. الركيزة الثانية هي الرمز المفتوح.. الصورة لا تُغلق المعنى بل تفتح أفقًا جديدًا مع كل قراءة.. الركيزة الثالثة هي مركزية التجربة.. القصيدة لا تحكي حدثًا بل تعيش حالة.
والقارئ المعاصر حين يقترب من هذا الشعر يشعر أنه يواجه نمطًا مختلفًا من الكتابة.. لا يقدم نتائج سريعة.. لا يختصر المعنى في فكرة مباشرة.. يدعو إلى قراءة بطيئة.. قراءة تسمح للمعنى بأن يتشكل داخل الوعي تدريجيًا. هذا الإيقاع البطيء يمثل نقيضًا لإيقاع الحياة الحديثة المندفع.. لذلك يجد كثير من القراء في الشعر الصوفي مساحة للهدوء والتأمل.
في التجربة اليومية يمكن ملاحظة ما يشبه هذا الأسلوب حين يحاول الإنسان التعبير عن شعور عميق لا يكتفي بجملة واحدة.. يعيد الكلام بصيغ متعددة يقترب من المعنى ثم يبتعد ثم يعود.. هذه الحركة اللغوية الطبيعية هي ما يحوله الشعر الصوفي إلى بناء جمالي متكامل.
أما من زاوية تحليل الخطاب فيمكن القول إن الشعر الصوفي لا يهدف إلى نقل تجربة مكتملة.. هو يهدف إلى خلق تجربة داخل القارئ؛ فالنص يعمل كمساحة مشتركة.. يضع الإشارات ويترك للقارئ أن يملأها بخبرته الخاصة؛ وهذا الانفتاح يمنح الشعر الصوفي قدرة استثنائية على الاستمرار عبر العصور.


الطواف في هذا الشعر يكشف أن التجربة الصوفية لم تُكتب بصيغة واحدة.. هي تجربة تعددت أصواتها.. وتنوعت أساليبها.. غير أن البنية العميقة بقيت واحدة.. تحويل اللغة إلى مسار داخلي.. وتحويل القراءة إلى حركة وعي.. تحويل الكلمة إلى باب لا إلى جدار.
ورد المقام.. القصيدة الصوفية لا تقول لك الطريق.. هي تجعل قلبك يسير فيه.

شارك المقال: