مقالات

إذا صفت رأت

في الفتوحات المكية يكتب محيي الدين بن عربي: «فإن الطريق إلى الله مبنيٌّ على مخالفة النفس، وترك المألوف، وقطع العلائق»

مشاركة:
حجم الخط:

خاص آخر الكلام

سلسلة “إذا صفت رأت” 

يكتبها على حلقات: أحمد عبد الجواد 

المقام الأول: ما الأدب الصوفي؟

1- حين يكتب الصوفي

ليس الطريق في النص الصوفي دربًا يمتد بين نقطتين، ولا انتقالًا من مكان إلى مكان، إنّه انحراف في زاوية الرؤية، وتحول في موضع القلب من العالم.. الصوفي حين يكتب لا يصف الواقع كما يقع في الحس، إنّه يعيد ترتيب الموجودات وفق هندسة باطنية، يبدّل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، ومن المرئي إلى المدرك؛ لذا سنجد أن اللغة هنا لا تؤدي وظيفة البيان فحسب، إنّها تمارس فعل العبور، كأن الكلمات درجات سلّم تُصعد الروح من سطح المعنى إلى عمقه،ومن هذا المنعطف تتولد المسألة الأولى: ما الأدب الصوفي؟ أهو جنس أدبي يضاف إلى الأجناس، أم صيغة خطاب تعيد تعريف العلاقة بين التجربة واللغة، أو بين الذات والمعنى؟
2- النص المؤسِس
في الفتوحات المكية يكتب محيي الدين بن عربي: «فإن الطريق إلى الله مبنيٌّ على مخالفة النفس، وترك المألوف، وقطع العلائق»¹.. عندما ننظر لهذا المقطع ونتأمله قليلًا سنرى أن الطريق ليس مجازًا عابرًا، الطريق عند ابن عربي استعارة كليّة تنتظم حولها شبكة مفاهيم كاملة: مفاهيم تضمِّن داخلها مخالفة النفس، وترك المألوف، وقطع العلائق؛ وهي ألفاظ تتجاور لتشكّل حقلًا دلاليًا واحدًا، حقل السلوك.
فالطريق ليس سطحًا يُمشى عليه، إنّه مسار داخلي تُفكّ فيه روابط العادة وتُخلع فيه أثقال التكرار، وعبد القاهر الجرجاني حين جعل النظم سرّ البلاغة لم يكن بعيدًا عن هذا الأفق، فالمعنى لا يقوم في المفردة وهي منعزلة عن أخواتها في مسار الكتابة، إنّما في انتظامها ضمن سياق يوجّهها ويعيد توزيع طاقتها، الطريق في خطاب ابن عربي لا يُفهم إلا ضمن هذه البنية، فهو اسم لتجربة معرفية، لا لموضع جغرافي.

 
3- الطريق والمجاز
الأدب الصوفي ينشأ من هذه اللحظة التي يتحول فيها المجاز إلى بنية معرفة، والمجاز هنا لا يزخرف العبارة، ولا يكرر إلا لدلالة، ولا يلقي الكلمات على عواهنها؛ المجاز يحمل عبء الرؤية؛ والرؤية لن تظهر لك إلا من خلال الصورة المرسومة..
والصورة عند المتصوفة أداة كشف.. يعني حين يتحدث النص عن النور، أو البحر، أو الفناء، فإنّه لا يهرب من التحديد، إنّه يفتح المعنى على أفق يتجاوز المفهوم المجرّد.. المجاز في هذا السياق ليس انزياحًا عن الحقيقة، إنّه الطريق إليها، وهذا التحول يغيّر وظيفة اللغة، فتصبح الكلمات إشارات إلى ما لا يُحاط به، علامات تقود إلى ما يتعذر القبض عليه بالعبارة المباشرة.
4- التجربة والنص
التصوف في ذاته تجربة، حال يتقلب، ذوق يتبدل، أما الأدب الصوفي فهو محاولة تثبيت تلك الحركة في نص.. وهنا علينا أن نقف بين التجربة والنص: التجربة ذاتية متوترة، والنص بناء لغوي يسعى إلى الإمساك بهذا التوتر.. ومن اختلاطهما يحدث تحول جوهري في بنية الذات الخطابية، فنجد مثلًا أن الضمائر في النص الصوفي لا تستقر على حال، ينتقل الصوت من أنا إلى هو، ومن مخاطبة إلى غيبة، ومن تصريح إلى تلميح، كما في نصوص الحلاج حيث تتكثف العبارة حتى تتداخل الحدود بين المتكلم والمشار إليه²، كأن الذات تتسع لتضم ما تتوجه إليه.. هذا الاضطراب في الضمير ليس خللًا في البناء، إنّه أثر تجربة تعيد تعريف الهوية.. الذات هنا يا عزيزي القارئ ليست جوهرًا ثابتًا، إنّها مسار، أو لنقل إنها مشروع عبور دائم.
5- الطريق والسرد
أما مفهوم الطريق فهو مفهوم خالص الشوائب.. يتسع حين يدخل السرد.. في حي بن يقظان لـ ابن طفيل تنمو المعرفة تدريجيًا من الحس إلى العقل إلى الإشراق³، وكأن النص يعيد تمثيل مقامات السلوك في صورة حكاية.. ولو قرأته بعين فلسفية سترة نظريات المعرفة والوجود وغيرها، أما بعين المتصوفة؛ الجزيرة المعزولة ليست فضاءً طبيعيًا فحسب، إنّها شرط لبداية الرؤية، مسرح لتشكّل وعي لا يتكئ على تقليد، والتدرج في المعرفة ليس انتقالًا ميكانيكيًا، إنّه ارتقاء في الإدراك، تحوّل في نوع العلاقة بالعالم.. السرد هنا يبني مسارًا معرفيًا، يجعل الطريق بنية داخل الزمن.
6- تشظي الزمن والبلاغة
حسنًا لقد ذكرنا الزمن.. الزمن في الخطاب الصوفي ليس خطًا مستقيمًا يمتد من ماض إلى مستقبل، إنّه لحظة مكثفة متشظية تتسع لتحتوي الماضي والمستقبل معًا، والحاضر في هذا النص ليس نقطة عابرة، إنّه مقام.
حين يكتب الصوفي عن الكشف، فإنّه يكتب عن لحظة تتجمد فيها الحركة الخارجية لتشتعل الحركة الداخلية.. واللغة تسعى إلى تثبيت هذه اللحظة، إلى حمايتها من التبدد، إلى نقل أثرها في صيغة قابلة للقراءة.. الأدب الصوفي بذلك يقاوم انسياب الزمن، يحاول أن يمنح التجربة شكلًا بلاغيًا يمكن الرجوع إليه، من غير أن يفقدها توترها الأصلي.
هل ذكرنا البلاغة أيضًا يا لها من كلمة تحوي بداخلها مؤلفات وعلامات.. حسنًا البلاغة في هذا الأدب لا تقوم على المحسنات، إنّها تقوم على الاقتصاد في المباشرة، وعلى كثافة الرمز، وعلى الإيقاع الداخلي للجملة.. التكرار فيه ليس عجزًا عن التنويع، إنّه إلحاح دلالي، ضرب على وتر واحد حتى يستجيب القلب.. فالصورة تتكرر بصيغ مختلفة لتعمّق الأثر، لا لتعيد المعنى ذاته. النور، البحر، الطريق، الغياب، الحضور، ألفاظ تتجاور وتتناوب لتصنع حقلًا شعوريًا يسبق التحليل المفهومي، وهذا الحقل هو ما يمنح النص الصوفي نبرته الخاصة، نبرة تجمع بين الرقة والحسم، بين الإشارة والتصريح.
7- ما النص الصوفي إذن؟
ولعلنا هنا يجب أن نقف وقفة مهمة.. كثيرون يعتقدون أن الأدب الصوفي هو الكتابة عن العشق الإلهي أو عن محبة النبي أو عن مراتب التزكية.. الأدب الصوفي ليس كتابة عن الله عز وجل في أغلب الأحوال، ولا كل شعر وجداني هو شعر صوفي؛ ومع صعوبة التعريف دعنا نقول: “إنّه نص تتجسد فيه التجربة الروحية والعرفانية في بنية لغوية متماسكة.. نص يجعل المجاز أفقًا للمعرفة، ويجعل الذات مسارًا لا نقطة، ويجعل الطريق بنية داخل اللغة”.


الأدب الصوفي خطاب ينتج معرفة عبر الصورة، ويحوّل اللغة إلى مجال اختبار للمعنى.. ومن هنا يمكن القول إن الأدب الصوفي ليس مرحلة تاريخية تنتمي إلى زمن بعينه، إنّه إمكان مفتوح في اللغة، طريقة خاصة في النظر إلى العالم، وفي إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمطلق.
وحين نقرأ هذا الأدب قراءة بلاغية، فإننا لا نبحث عن زخرف القول، إنّنا نبحث عن الآلية التي ينتج بها النص أثره، عن الطريقة التي تتحول بها الاستعارة إلى معرفة، وعن الكيفية التي يعاد بها تشكيل الذات داخل العبارة.. الطريق في النهاية ليس موضوعًا يُكتب عنه، إنّه البنية التي تنتظم فيها الكتابة كلها.. ومن يدخل هذا الخطاب لا يخرج كما دخل، لأن النص نفسه يمارس فعل السلوك، يغيّر زاوية الرؤية، ويزرع في القارئ سؤالًا لا يهدأ.
ورد المقام: الطريق كتابة تمشي فيك كما تمشي فيها، فإذا انتهى السطر بدأ التحول.
الحواشي للمقام الأول:
1- محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، تحقيق: عثمان يحيى، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972–1992، ج1.
2- الحسين بن منصور الحلاج، الطواسين، تحقيق: لويس ماسينيون، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1973.
3- ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق: جميل صليبا وكامل عياد، بيروت: دار الأندلس، 1960.
4- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود شاكر، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1984.
Reynold A. Nicholson, The Mystics of Islam, London: Routledge, 1914-5

#الحكاء

شارك المقال: