مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: سياسة الرسائل الغائبة

الغموض الذي لا ينتج رسالة، ولا يصنع ردعًا، ولا يسمح ببناء معادلة سياسية، فهو يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الاستراتيجية

مشاركة:
حجم الخط:

في الأزمات الإقليمية المعقدة، لا تُبنى الترجيحات على سؤال من يمتلك القدرة على تنفيذ العملية فحسب، بل أيضًا على سؤال أكثر أهمية، من يمتلك المصلحة في الطريقة التي تُدار بها نتائجها سياسيًا وإعلاميًا. فالعملية العسكرية لا تنتهي عند لحظة التنفيذ، بل تبدأ بعدها مرحلة لا تقل أهمية، وهي مرحلة إدارة الرسالة.

ومن هذا المنطلق، يلفت النظر في حادث دمياط غياب أي سياق سياسي أو إعلامي إيراني يمكن أن يربط طهران بالحادث، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذه الملاحظة لا تصلح دليلًا على النفي، لكنها في الوقت نفسه ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه، لأن الدول لا تتعامل مع العمليات ذات الأثر الاستراتيجي بوصفها أحداثًا أمنية معزولة، بل بوصفها أدوات اتصال سياسي.

لقد رسخت إيران، عبر سنوات من المواجهة الإقليمية، نمطًا يمكن ملاحظته في عدد من المحطات، يقوم على الموازنة بين الغموض والوضوح. فهي قد لا تعلن مسؤوليتها بصورة صريحة، لكنها غالبًا ما تترك ما يكفي من الإشارات التي تسمح للخصم بفهم الرسالة، وللحلفاء بفهم موقع الحدث ضمن معادلة الردع، وللرأي العام بربط الفعل بالسياق السياسي الذي تريده. فالغموض في هذه الحالة ليس إنكارًا للمسؤولية، بل أداة لإدارة التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة لا ترغب فيها.

أما الغموض الذي لا ينتج رسالة، ولا يصنع ردعًا، ولا يسمح ببناء معادلة سياسية، فهو يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الاستراتيجية. وإذا كان استهداف مصالح أمريكية داخل الأراضي المصرية يحمل بالفعل أبعادًا إقليمية واسعة، فإن أي طرف يقف خلفه، ويهدف إلى توظيفه سياسيًا، سيكون معنيًا بأن تصل الرسالة إلى الأطراف المقصودة، ولو بوسائل غير مباشرة. فالقيمة السياسية للعملية لا تكمن في وقوعها وحده، بل في وضوح الرسالة التي تترتب عليها.

ومن هنا، فإن غياب هذا السياق لا يحسم المسؤولية، لكنه يضعف إحدى الفرضيات التي يجري تداولها، لأن التحليل لا يقوم على الإمكانات العسكرية وحدها، بل على انسجام الفعل مع السلوك السياسي المعروف للفاعل المفترض. فالدول، شأنها شأن الأفراد، تمتلك أنماطًا متكررة في إدارة القوة، وهذه الأنماط تصبح مع الزمن جزءًا من الأدلة غير المباشرة التي يستند إليها التحليل.

لهذا، فإن أي قراءة متوازنة لحادث دمياط ينبغي أن تتجنب القفز إلى الاستنتاجات، سواء بالإدانة أو بالتبرئة. فالمؤشرات لا تُقرأ منفصلة، بل ضمن شبكة مترابطة تضم المصلحة، والقدرة، والتوقيت، وطبيعة الهدف، والسلوك السياسي والإعلامي الذي أعقب الحدث. وعندما يغيب أحد هذه العناصر، لا تسقط الفرضية تلقائيًا، لكنها تفقد جزءًا من قوتها التفسيرية، إلى أن تظهر معطيات جديدة تعيد بناء المشهد على أسس أكثر صلابة.

وفي المقابل، لا يمكن أن يقتصر التحليل على فرضية واحدة وإهمال بقية الاحتمالات، فغياب السياق السياسي والإعلامي الذي يربط إيران بالحادث قد يضعف فرضية معينة، لكنه لا يحسم تلقائيًا هوية الفاعل أو يحدد البديل.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من سؤال “من يملك القدرة؟” إلى سؤال “من يمكن أن يستفيد من النتائج السياسية المترتبة على الحدث؟”. فبعض العمليات لا تُقاس فقط بالضرر المباشر الذي تحدثه، بل بالأثر الذي تتركه على شبكة العلاقات والتحالفات وموازين القوى.

وفي هذا الإطار، تطرح الفرضية الإسرائيلية نفسها ضمن دائرة التحليل، ليس باعتبارها اتهامًا مسبقًا، وإنما باعتبارها احتمالًا يجب اختباره وفق معيار المصلحة والسياق. فأي تطور يؤدي إلى توسيع دائرة الاشتباه بإيران، أو زيادة الضغوط الأمنية والسياسية عليها، أو دفع أطراف عربية إلى التعامل معها باعتبارها مصدر تهديد مباشر، يمكن أن ينسجم مع مصالح إسرائيلية في إضعاف النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها.

لكن الأحداث في الإقليم لا تُقاس فقط بمن يقف خلفها، بل أيضًا بما تنتجه من تحولات في البيئة السياسية المحيطة بها. فقد تكون قيمة بعض العمليات في قدرتها على خلق واقع جديد، أو إعادة ترتيب الأولويات الأمنية، أو دفع أطراف معينة إلى اتخاذ مواقف لم تكن لتتخذها في ظروف مختلفة. لذلك فإن دراسة أي حادث لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة التنفيذ، بل تمتد إلى سؤال أكثر اتساعًا: ما المسار السياسي الذي يمكن أن يفتحه هذا الحدث، ومن يملك القدرة على استثماره؟

لكن اختبار هذه الفرضية لا ينبغي أن يقوم على المصلحة وحدها، فوجود دافع سياسي لا يكفي لإثبات المسؤولية. فالتحليل الجاد يجمع بين المصلحة، والقدرة، والفرصة، وطبيعة التنفيذ، ثم يقارن بين الفرضيات المختلفة وفق المعايير نفسها.

وفي النهاية، فإن قراءة حادث دمياط لا تحتاج إلى أحكام سريعة بقدر ما تحتاج إلى تفكيك هادئ لشبكة الدوافع والرسائل. فالفاعل الحقيقي لا يُقرأ فقط من خلال ما يستطيع فعله، بل أيضًا من خلال ما يريد تحقيقه، وكيف يدير نتائج الفعل بعد وقوعه. فالأحداث الكبرى في الإقليم لا تُفهم فقط من خلال لحظة التنفيذ، بل من خلال المسارات السياسية التي تنتج عنها.

شارك المقال: