معتز منصور يكتب: سلطة تصنع الهزيمة
الاحتلال، مهما امتلك من قوةٍ نارية، يبقى بحاجةٍ إلى بيئةٍ سياسية تسمح له بتحويل الجريمة إلى أمرٍ اعتيادي، والعدوان إلى واقعٍ يجب التكيف معه

صورة تعبيرية للمقال
أخطر ما يمكن أن يقدمه أي احتلال لنفسه ليس دبابةً إضافية ولا سرباً جديداً من الطائرات، بل سلطةً محلية تنجح في إعادة تعريف الصراع بما يخفف كلفته ويضاعف كلفة مقاومته. فالاحتلال، مهما امتلك من قوةٍ نارية، يبقى بحاجةٍ إلى بيئةٍ سياسية تسمح له بتحويل الجريمة إلى أمرٍ اعتيادي، والعدوان إلى واقعٍ يجب التكيف معه، ورفض الخضوع إلى مشكلةٍ أكبر من الخضوع نفسه.
من هنا لا تبدو الأزمة الحقيقية في لبنان مرتبطةً فقط باستمرار العدوان الإسرائيلي، بل بالطريقة التي يُعاد من خلالها تعريف هذا العدوان داخل الخطاب الرسمي. فبدلاً من أن يبقى الاحتلال هو أصل المشكلة ومصدرها، يجري تدريجياً نقل مركز النقاش نحو نتائج الاعتراض عليه. وبدلاً من أن يُسأل المعتدي عن جرائمه وانتهاكاته وسياساته، يُسأل المجتمع عن أسباب رفضه للوقائع التي يفرضها المعتدي بالقوة.
معتز منصور يكتب: هندسة النجاة لا كسر الهيمنة
معتز منصور يكتب: هرمز ونهاية الإيقاع الأمريكي
هذه ليست مجرد مقاربةٍ سياسية خاطئة، بل انقلابٌ كامل على بنية الصراع نفسها.
فالسلطة التي يُفترض بها أن تعمل على رفع كلفة الاحتلال تحولت إلى سلطةٍ تنشغل بخفضها. والسلطة التي يُفترض أن تدافع عن حق مجتمعها في الأمن والسيادة باتت تتصرف وكأن وظيفتها الأساسية هي إقناع هذا المجتمع بحدود ما يُسمح له بالمطالبة به. وهكذا لم يعد المطلوب إنهاء العدوان، بل إدارة تداعياته. ولم يعد المطلوب حماية الناس من القتل، بل إقناعهم بأن الاعتراض على القتل قد يكون أكثر كلفةً من القتل نفسه.
في هذه اللحظة يتجاوز الأمر حدود العجز السياسي. فالعجز يبقى مفهوماً عندما تكون موازين القوة مختلةً إلى هذا الحد. أما حين يبدأ العاجز بتبني منطق القوة التي تعجزه، فإنه ينتقل من موقع الضحية إلى موقع المساهم في إنتاج شروط هزيمته. وهنا تحديداً تظهر الوظيفة الحقيقية للخطاب السياسي الذي يطالب الناس دائماً بمزيدٍ من الواقعية، فيما لا يطالب المعتدي بأي قدرٍ مماثل من الالتزام أو التراجع أو الانضباط.
الواقعية التي تُطلب من الضحية وحدها ليست واقعيةً في الحقيقة، بل صيغةٌ أخرى للاستسلام. لأن الواقعية السياسية لا تعني الاعتراف بموازين القوة فقط، بل الاعتراف أيضاً بأن هذه الموازين نفسها ليست ثابتة. وكل تاريخ الصراعات يؤكد أن القوة تبدأ بالتآكل عندما تفشل في انتزاع الشرعية، وأن التفوق العسكري يصبح أقل فاعليةً كلما ازداد العجز عن تحويله إلى تفوقٍ سياسي وأخلاقي مستقر.
ولهذا فإن ما يجري اليوم لا يتعلق بسلاحٍ أو تنظيمٍ أو تكتيكٍ عسكري بقدر ما يتعلق بالصراع على تعريف الواقع. هل المشكلة هي وجود قوةٍ تحتل وتقصف وتقتل وتفرض شروطها بالقوة؟ أم أن المشكلة هي وجود من يرفض التسليم بحق هذه القوة في فرض شروطها؟ هنا يتحدد موقع كل طرف داخل المعادلة.
في السياق اللبناني تحديداً، يتجسد هذا التداخل بين الأطراف الثلاثة بوضوح: إسرائيل كقوة احتلال تمارس فعلها العسكري والسياسي، والسلطة اللبنانية التي تتولى إدارة تداعيات هذا الفعل داخل الداخل اللبناني ومحاولة ضبطه سياسياً، وحزب الله بوصفه بنية مقاومة مسلحة وسياسية ترفض تحويل هذا الفعل إلى واقع نهائي قابل للتطبيع. لكن العلاقة بين هذه الأطراف لا تُقرأ كخطوط منفصلة، بل كمنظومة متشابكة يعاد فيها إنتاج ميزان القوة والمعنى في آن واحد، حيث لا ينفصل الخارج عن الداخل، ولا ينفصل الصراع العسكري عن إعادة تشكيل الإدراك السياسي له.
فالاحتلال لا يحقق انتصاره الأكبر عندما يتقدم على الأرض، بل عندما ينجح في نقل معاييره إلى عقول خصومه. عندما يصبح حديث المجتمع منصباً على كيفية تجنب إغضابه بدلاً من كيفية مواجهته. وعندما تتحول أولويات السلطة من حماية شعبها إلى حماية الاستقرار الذي ينتجه خوف هذا الشعب. وعندما يُعاد تعريف المقاومة بوصفها عبئاً على المجتمع، فيما يجري التعامل مع الاحتلال بوصفه حقيقةً سياسية لا بد من التكيف معها.
عند هذه النقطة لا يعود الصراع بين مشروعين سياسيين فحسب، بل بين تصورين مختلفين لمعنى الكرامة والسيادة والوجود الوطني. تصورٌ يرى أن وظيفة السياسة هي إدارة الخضوع بأقل الخسائر الممكنة، وتصورٌ آخر يرى أن وظيفة السياسة هي منع تحويل الخضوع إلى قاعدةٍ دائمة مهما بلغت كلفته.
لهذا لا تبدو المقاومة، في معناها الأعمق، مجرد رد فعلٍ على الاحتلال. إنها رفضٌ لمعادلةٍ كاملة تحاول أن تجعل الضحية مسؤولةً عن مأساتها، وأن تجعل الدفاع عن النفس تهمةً تحتاج إلى تبرير، وأن تجعل الاستسلام فضيلةً وطنية. فحين تصل السلطة إلى لحظة تطلب فيها من الناس قبول ما يُفرض عليهم بالقوة، بحجة أن رفضه مكلف، فإنها لا تكون قد وجدت حلاً للأزمة، بل تكون قد انتقلت إلى موقعٍ آخر داخلها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فكل ما يُقدَّم اليوم بوصفه طريقاً إلى الاستقرار لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل ينتج مزيداً من الاختلال. لأن الاستقرار الذي يقوم على قبول الإذلال ليس استقراراً، والسلام الذي يقوم على احتكار طرفٍ واحد لحق القوة ليس سلاماً، والسيادة التي تُمارس ضمن الحدود التي يرسمها العدو ليست سيادة.
لهذا لا تنشأ المقاومة من فائض القوة، بل من رفض الاعتراف بأن القوة وحدها تملك حق تحديد المصائر. ولا تستمر لأنها قادرة دائماً على الانتصار العسكري، بل لأنها ترفض تحويل الهزيمة إلى عقيدةٍ سياسية، وترفض الاعتراف بأن ميزان القوة القائم يملك وحده حق إنتاج الشرعية والمعنى والمستقبل. وهنا تحديداً ينكسر منطق الهيمنة، لأن الصراع لا يعود صراع سلاح فقط، بل صراع تعريف: من يملك حق تسمية الواقع، يملك في النهاية جزءاً من القدرة على تغييره، حتى حين تبدو كل موازين القوة ضده.






