علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: البحر الأحمر الصراع على الطريق الذي يعيد رسم المنطقة

عند جمع اليمن والبحر الأحمر والقرن الإفريقي والعراق في صورة واحدة، يتغير معنى المعركة. لم تعد القضية من يسيطر على مدينة أو مضيق في لحظة معينة، وإنما من يستطيع تثبيت وجوده وفرض شروطه على خصومه

مشاركة:
حجم الخط:

ليست المسألة في اليمن أن مئة طائرة تستطيع أن تقلع في يوم واحد، ولا أن مئات الأهداف يمكن أن تظهر على شاشات غرف العمليات ثم تعلن القيادة العسكرية تدميرها. تلك أرقام تصلح لنشرات الحرب، لكنها لا تقول وحدها شيئا عن الحرب نفسها.

ففي بلد مثل اليمن تستطيع أن تدمر موقعا في الصباح، ثم تكتشف في المساء أن خصمك أعاد بناء حضوره في المكان ذاته، أو ترك لك الأرض التي قصفتها فارغة لتكتشف أن الفراغ نفسه صار جزءا من المعركة.

ذلك الدرس ليس جديدا على اليمن. التجربة المصرية في حرب اليمن بين 1962 و1967 كشفت مبكرا الفارق بين التفوق العسكري والقدرة على إنتاج نهاية سياسية للحرب. كانت الطائرات تصل إلى الجبال، لكن الجبال لم تكن وحدها هي المشكلة.

المشكلة كانت في قوة تعرف كيف تجعل الأرض والزمن وكلفة البقاء فيها عناصر تعمل ضد الطرف الأكثر تفوقا في الجو. الحرب التي لا تستطيع تحويل تفوقها العسكري إلى واقع سياسي تظل، مهما بلغ حجم النار فيها، معلقة بين ضربة وأخرى.

المعادلة الحالية أكثر تعقيدا. السعودية لا تواجه جيشا تقليديا يمكن اختزال قوته في مواقعه وثكناته، وإنما قوة راكمت خلال سنوات قدرة على استخدام الصواريخ والمسيرات واستهداف مساحات بعيدة، وإجبار خصم أكثر تفوقا في السلاح على توزيع موارده بين حماية المدن والمنشآت والمطارات وخطوط الإمداد. لذلك يصبح التفوق الجوي أقل حسما مما توحي به أرقام الطائرات والضربات، لأن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الضربة: من يستطيع البقاء؟ ومن يستطيع إعادة تثبيت حضوره؟ ومن يدفع ثمن إبقاء هذا الحضور ممكنا؟

الساحل الغربي يختصر جانبا كبيرا من المعادلة. المخا وذوباب وباب المندب ليست أسماء يمنية على خريطة عسكرية، وإنما نقاط تتحول بمجرد اتصالها بالبحر إلى أجزاء من معادلة تتجاوز اليمن نفسه. باب المندب يصل البحر الأحمر بخليج عدن، وأي اضطراب فيه ينعكس على الملاحة والطاقة والتأمين وعلى قناة السويس. والقوات المدعومة سعوديا أعلنت استعادة مواقع قرب المضيق، بينما تحدثت صنعاء عن استمرار القتال، ولم تتوافر حتى الآن صورة مستقلة تسمح باعتبار السيطرة المعلنة نهائية. امتلاك موقع على الخريطة شيء، وضمان البيئة المحيطة به شيء آخر.

معتز منصور يكتب: تيران وصنافير وباب المندب

الأرض التي تحتاج إلى حماية مستمرة تتحول إلى كلفة، والميناء الذي تصل إليه دون أن تضمن محيطه لا يمنحك بالضرورة النفوذ الذي تبحث عنه. وما جرى في عدن يقدم صورة مكثفة لهذا النوع من الحرب. فقد تعرض مطار عدن الدولي لهجوم صاروخي ومسيرات، وتحدثت السلطات المحلية عن اضطراب في حركة الطيران وتحويل رحلة كانت متجهة إلى عدن نحو جدة. وفي المقابل، أعلنت صنعاء أن قواتها استهدفت بصواريخ باليستية إمدادات عسكرية سعودية وصلت إلى معسكر بدر المجاور للمطار، وقال المتحدث العسكري يحيى سريع إن الاستهداف أدى، وفقا للرواية التي أعلنها، إلى مصرع وإصابة عدد من الضباط السعوديين.

الفارق بين الروايتين ليس تفصيلا في خبر عابر. فإذا كانت رواية صنعاء تعكس ما جرى ميدانيا، فإن الهدف المعلن كان إمدادات عسكرية وصلت إلى موقع عسكري في جوار المطار، لا المطار المدني بوصفه منشأة مدنية. وهذا يجعل السؤال الاستخباراتي أكثر أهمية من مكان سقوط الصاروخ: كيف وصلت المعلومات عن الإمدادات وتوقيت وصولها؟ لا توجد حتى الآن قرينة علنية تسمح بتحديد مصدر المعلومة، ولذلك يبقى السؤال مفتوحا. المؤكد أن الضربة، وفق الرواية المعلنة، استهدفت شحنة عسكرية في لحظة وصولها، وهو ما يضع المعلومات الاستخباراتية داخل صلب المعركة.

وتزداد أهمية ذلك مع انتقال اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان إلى مرحلة التنفيذ العملي. ففي الخامس من أكتوبر أعلنت الدول الثلاث اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات المتفق عليها وضمان سرعة نشرها في السعودية. ولا يعني ذلك تلقائيا مشاركة قوات تركية أو باكستانية في العمليات داخل اليمن، كما لا يقدم دليلا على وجود قوات باكستانية في معسكر بدر. لكن الاتفاق نفسه يكشف أن الحرب بدأت تنتج ترتيبات أمنية تتجاوز شكل التحالفات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

أنصار الله لا يحتاجون إلى منافسة السعودية في عدد الطائرات كي يؤثروا في ميزان الحرب. يكفي أن يجعلوا التفوق الجوي عاجزا عن إنتاج حسم سياسي، وأن ينقلوا جزءا من المواجهة إلى المطارات والمنشآت والموانئ وخطوط الإمداد والملاحة. الصاروخ الأقل كلفة من الطائرة لا تقاس قيمته فقط بما يدمره، وإنما بما يجبر الطرف الآخر على إنفاقه لمنع الضربة التالية. منشأة معرضة للخطر، أو طريق ملاحي غير مستقر، أو مضيق مهدد، كلها ترفع كلفة الحرب حتى من دون إغلاق الطريق بالكامل.

البحر لا يحتاج إلى أن يتوقف تماما حتى يتحول إلى عامل ضغط. يكفي أن تتغير حسابات شركات التأمين والناقلين والمستثمرين والدول، وأن يصبح المرور أكثر مخاطرة، حتى تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر في التسعير السياسي والاقتصادي للحرب.

وفي هذا المناخ لا يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره مجرد إضافة قوات إلى جبهة قائمة. السعودية تحاول بناء قدرة دفاع جماعي حول أراضيها، وتركيا تدخل بوزنها ومصالحها الخاصة، وباكستان تنتقل إلى ترتيب أمني جديد مع الرياض. لكن الدول الثلاث ليست كيانا واحدا، ولكل منها حساباته وحدوده ومصالحه. قيمة الاتفاق ستظهر في قدرته الفعلية على حماية المجال السعودي وفي حدود امتداده إلى ساحات الصراع. أما واشنطن فلها تاريخ موثق في الدعم الاستخباري واللوجستي للسعودية، ولا تحتاج دائما إلى القتال مباشرة كي تؤثر في الحرب؛ فالمعلومات والتسليح والدعم التقني والغطاء السياسي أدوات يمكن أن تغير كلفة المعركة.

ولا يمكن فهم البحر الأحمر من ضفته الآسيوية وحدها. إثيوبيا تطالب بإصرار بمنفذ بحري، والصومال يتمسك بسيادته، ومصر تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها وقناة السويس، وتركيا تملك حضورا ومصالح خاصة، والسعودية تنظر إلى الضفة المقابلة باعتبارها جزءا من أمنها البحري، بينما راكمت الإمارات حضورا واسعا حول الموانئ والممرات البحرية. وقد جدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الخامس من أكتوبر مطالب بلاده بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، ما يؤكد أن مسألة الوصول البحري الإثيوبي ليست تفصيلا عابرا في المشهد.

إثيوبيا ليست مجرد ورقة في يد طرف آخر. لديها حاجتها ومشروعها وحساباتها الخاصة، لكن الحاجة الإثيوبية إلى منفذ بحري يمكن أن تتحول إلى مساحة استثمار سياسي وأمني من قوى أخرى. إسرائيل والإمارات تستطيعان توظيف هذه الحاجة ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بالموانئ والنفوذ والأمن البحري، من دون أن يعني ذلك أن القرار الإثيوبي يصدر منهما. اختزال إثيوبيا في وظيفة واحدة يريح الرواية، لكنه يفسد التحليل، لأن ما يجري في القرن الإفريقي هو اشتباك بين دولة حبيسة تبحث عن منفذ، ودول ساحلية تخشى إعادة تعريف موازين القوة، وقوى تريد نصيبا من النتيجة.

مصر داخل هذا المشهد طرف في اشتباك مصالح، وليست مجرد دولة تنتظر ما يقرره الآخرون. اضطراب باب المندب يمس قناة السويس، وأي إعادة توزيع للنفوذ في القرن الإفريقي تمس المجال البحري المصري، وأي تحول في خرائط الموانئ والقواعد يغير البيئة التي تتحرك فيها مصر اقتصاديا وأمنيا. وفي الوقت نفسه، تتحرك تركيا والسعودية والإمارات وإثيوبيا والصومال والكيان الغاصب وفقا لحسابات لا تتطابق، وقد تتقاطع في ملف وتتصادم في آخر. اختزال البحر الأحمر في مشروع واحد تديره جهة واحدة يحجب أكثر مما يكشف.

ويمتد الخيط إلى العراق، إذا كان الصراع الإقليمي يدور أيضا حول خطوط الإمداد بين ساحات متباعدة. أما الحديث عن ضوء أخضر أمريكي لضرب فصائل عراقية، فيبقى ضمن التسريبات التي تحتاج إلى إثبات مستقل، ولا يصح تحويله إلى حقيقة بمجرد تداوله. المؤكد أن العراق يظل مساحة حساسة في أي محاولة لإعادة ترتيب خطوط النفوذ الممتدة من إيران إلى المشرق، وأن الضغط على هذه الخطوط يمكن أن يعيد توزيع أعباء الصراع بين ساحات تبدو جغرافيا منفصلة لكنها متصلة في الحساب الاستراتيجي.

عند جمع اليمن والبحر الأحمر والقرن الإفريقي والعراق في صورة واحدة، يتغير معنى المعركة. لم تعد القضية من يسيطر على مدينة أو مضيق في لحظة معينة، وإنما من يستطيع تثبيت وجوده وفرض شروطه على خصومه. الميناء والقاعدة وخط الإمداد والمعلومة الاستخباراتية أدوات تحدد قدرة كل طرف على الاستمرار وتحمل أعباء الحرب. وما جرى في عدن يضيف طبقة أخرى إلى المعادلة: الوصول إلى الموقع لا يكفي إذا ظل الإمداد إليه مكشوفا، والوجود العسكري لا يتحول إلى نفوذ دائم بمجرد رفع العلم فوق الأرض.

لهذا تبدو الطائرات، رغم قوتها، أقل حسما مما توحي به مشاهد القصف. تستطيع تدمير موقع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفرض نهاية للصراع أو أن تضمن بقاء نتائج الضربة. وفي اليمن تحديدا، تبدو المسألة أقرب إلى صراع على القدرة على الاستمرار واستنزاف الخصم منها إلى سباق على عدد الغارات والأهداف المدمرة.

البحر الأحمر ليس خطا أزرق بين ضفتين، وإنما مساحة تتقاطع فيها مصالح دول وموانئ وقواعد وأسواق وحسابات أمنية تتجاوز حدود الدول المطلة عليه. ومصر، بحكم اتصال باب المندب بقناة السويس، ليست بعيدة عن هذه المعادلة، كما أن اليمن والقرن الإفريقي والعراق لم يعودوا ملفات منفصلة تماما في حسابات القوى المتنافسة. ومن يستطيع حماية مصالحه بأقل كلفة، ورفع ثمن خيارات خصومه، سيكون أقدر على التأثير في شكل التوازنات التي تتكون حول البحر الأحمر.

شارك المقال:

شاركنا برأيك