محمود إبراهيم عبد اللطيف يكتب: قواعد أمريكية في السعودية حماية منقوصة
والسؤال المشروع: إذا كانت القواعد الأمريكية في السعودية لا تحمي العاصمة السعودية من صواريخ الحوثيين، فماذا تحمي بالضبط؟
محمدبن سلمان ولي العهد السعودي
في كل مرة تنطلق صافرة الإنذار في الرياض، وتتساقط شظايا الصواريخ فوق مطار الملك خالد، يتكرر السؤال القديم الجديد: أين أمريكا؟ وما جدوى القواعد العسكرية الأمريكية على أرض المملكة إذا كانت العاصمة تستهدف بصواريخ الحوثيين شبه يوميا؟
الجواب الذي تكشفه الوقائع ليس مريحا، لكنه ضروري.
أمريكا لم تتخل عن السعودية تماما، لكنها أيضا لم تتكفل بحمايتها كما يتصور البعض، ما تفعله واشنطن هو إدارة مصالحها، لا أداء واجب الحماية.
والنتيجة أن الرياض تدفع فاتورة أمنية باهظة، بينما تظل القواعد الأمريكية محصنة خلف أسوارها، تحمي نفسها ومصالحها، لا المدن السعودية.
ما قدمته أمريكا: دعم مشروط وحماية انتقائية
لنكن دقيقين واشنطن قدمت وما زالت تقدم دعما استخباراتيا ولوجستيا كبيرا للسعودية في حربها ضد الحوثيين.
تقارير شبكة “CNN” كشفت عن وجود أكثر من مئة مستشار عسكري أمريكي، ضمن قوة تقارب مئتي عنصر، يعملون ضمن قيادة مشتركة جديدة، يقدمون دعما استخباراتيا واستهدافا جغرافيا مكانيا للعمليات السعودية ضد الحوثيين.
كما أرسلت واشنطن بطاريات “باتريوت” إضافية لحماية المنشآت النفطية في السعودية وقطر.
لكن هذا الدعم له حدود صارمة.
نفس التقارير تؤكد أن الأمريكيين لا يشاركون مباشرة في الضربات، ولا يوفرون الوقود الجوي للطائرات السعودية، ولا يقدمون الدعم العملياتي كما فعلوا في جولات سابقة.
والأهم من ذلك، أن منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتمركزة في قاعدة الأمير سلطان الجوية، بما فيها (باتريوت و ثاد) ، مخصصة لحماية القاعدة نفسها والبنية العسكرية الأمريكية، وليس لحماية الرياض أو مطاراتها المدنية.
هذا التمييز ليس تفصيلا تقنيا، بل جوهر المسألة. عندما ضرب الحوثيون مطار الملك خالد الدولي مرارا، لم تتحرك الطائرات الأمريكية ولا منظوماتها للاعتراض.
الاعتراضات قامت بها المنظومات السعودية، وإن نجحت أحيانا، فقد فشلت في أحيان أخرى، تاركة شظايا تتساقط فوق روضة أطفال ومجمع طبي في العاصمة.
والسؤال المشروع: إذا كانت القواعد الأمريكية في السعودية لا تحمي العاصمة السعودية من صواريخ الحوثيين، فماذا تحمي بالضبط؟
الجواب الصريح: تحمي المصالح الأمريكية، وتضمن استمرار وصول النفط، وتراقب إيران، وتؤمن ممرات الملاحة في الخليج. أما الدفاع عن المدن السعودية، فهو مهمة سعودية في المقام الأول، بمساعدة أمريكية محدودة ومشروطة.
هل قواعدها لحماية إسرائيل فقط؟
الاتهام بأن القواعد الأمريكية في المنطقة وجدت لحماية إسرائيل فقط فيه تبسيط مخل، لكنه يعكس إحباطا حقيقيا.
الحقيقة أن واشنطن تستخدم قواعدها لتحقيق ميزان قوى إقليمي يخدم مصالحها، وهذا الميزان لا يتطابق بالضرورة مع أولويات الأمن العربي.
ما حدث في الأشهر الأخيرة يوضح ذلك. ففي حين كانت الرياض تتعرض لهجمات يومية، كانت معظم القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة منشغلة بمسرح آخر: تأمين مضيق هرمز، ومواجهة إيران، ومرافقة السفن التجارية. الأولوية الأمريكية كانت واضحة، ولم تكن الدفاع عن الرياض على رأس قائمة اهتماماتها.
بل إن التقارير تشير إلى أن ولي العهد السعودي طلب من الرئيس الأمريكي مرتين في يوم واحد شن ضربات أمريكية ضد الحوثيين، فرفضت واشنطن، مكتفية بالدعم الاستخباراتي.
هذا ليس موقف حليف يضمن أمن حليفه، بل موقف لاعب يحدد تدخله وفق حسابات الربح والخسارة.
دروس لم نستوعبها بعد
المشكلة ليست في أمريكا وحدها، بل فينا نحن. الدول العربية ما زالت تتصرف وكأن الأمن يمكن استيراده، وكأن قاعدة عسكرية أجنبية تعني حماية مضمونة.
التجربة السعودية تقول العكس: القواعد الأمريكية موجودة، لكن الصواريخ تصل إلى الرياض. والدرس الأول هو أن الأمن الحقيقي لا يستورد، بل يبنى محليا وإقليميا.
الدرس الثاني: الحوثيون ليسوا قوة عابرة. ترسانتهم الصاروخية والطائرة بدون طيار تطورت بمساعدة إيرانية، وهي قادرة على إحداث أضرار اقتصادية ونفسية تتجاوز بكثير حجمها العسكري.
استهداف مطار العاصمة ليس مجرد عمل عسكري، بل رسالة سياسية واقتصادية موجهة للمستثمرين والمسافرين وللثقة في استقرار المملكة.
الدرس الثالث، والأهم: التشرذم العربي يغذي التدخلات الخارجية.
في حين أن السعودية تحاول بناء تحالفات إقليمية بديلة، مثل اتفاق مكة للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، فإن هذه الخطوات ما زالت في بدايتها وتفتقر إلى آليات تنفيذية واضحة.
وإذا كانت الدول العربية نفسها غير قادرة على الاتفاق على منظومة أمنية مشتركة، فكيف تطلب من أمريكا أن تحميها؟
السؤال الذي يطرحه البعض الآن: (هل استوعبنا الدرس؟) . الجواب المؤلم: ليس بعد. ما زلنا نرى دولا عربية تختلف على أولوياتها، بعضها يفتح قواعد أجنبية على أرضه، وبعضها يمول أطرافا في صراعات داخلية، وبعضها يفضل الغضب الشعبي على بناء تحالفات حقيقية. والحوثيون يستفيدون من هذا التشتت، تماما كما تستفيد إيران.
أمريكا لم تخن السعودية، لأنها لم تعدها يوما بحماية مطلقة. ما فعلته واشنطن هو ما تفعله كل القوى الكبرى: وضعت مصالحها أولا. والسؤال لنا نحن: متى نضع مصالحنا أولا، لا في الخطابات، بل في بناء قدرات دفاعية عربية مشتركة، وفي إنهاء الصراعات البينية، وفي التعامل مع إيران كدولة لها مصالح يمكن التفاوض عليها أو مواجهتها جماعيا، لا كشبح نتقاتل على من يكون الأقرب إلى واشنطن لدرء شره؟
القواعد الأمريكية ستبقى، لأن واشنطن لن تتخلى عن نفوذها. لكن الحماية التي تقدمها ستظل ناقصة، لأنها ليست مصممة أصلا لحماية الرياض من صواريخ صنعاء. من يريد الأمان الحقيقي، عليه أن يبنيه بيده، مع شركائه، لا أن ينتظر أن يبنيه له أحد.
شاركنا برأيك