مقالات
محمد كامل خضري
محمد كامل خضري

طبيب وكاتب

محمد كامل خضري يكتب: من يضع الجرس حول رقبة القط ؟

هتدت أخيراً إلى فكرة "عبقرية" وخلاصتها أن تضع جرساً حول رقبة هذا القط الأمر الذي يتيح لهم في هذه الحالة سماع القط عند قرب قدومه والإحتياط له

مشاركة:
حجم الخط:

نحن نجرد الناس من إنسانيتهم عندما نربط نجاحهم المهنى وشهرتهم ومكانتهم بسمو أخلاقى مع أن ذلك غير متوافق مع الواقع فى معظم الأحيان.

فنجد على سبيل المثال رمز من رموز السلطة صاحب مكانة وله كامل التقدير من محيطه المجتمعى متعدد العلاقات النسائية خارج الشرع والعلاقات المالية خارج القانون بل ربما يتحول إلى قاتل أو تاجر ممنوعات وعندما توقع به الأقدار يسقط من عل!

وقد لايرضى الناس بوجود شقة مشبوه فى بنايتهم يتردد عليها صاحب سلطان أونفوذ لكنهم يلتزمون الصمت.

أما فى الحالات المشابهة مع آحاد الناس قد يتجمعون ويلبسون ثوب العدالة الناجزة ويهجمون على الشقة ويفضحون ويعنفون من بداخلها لدرجة الإيذاء البدنى المبرح!

لأن معضلتهم فى الحالة الأولى هى من يجازف ويحاول تعليق الجرس فى رقبة القط!

أما فى الحالة الثانية فالقط كان ضعيفا فتجرأوا عليه ولبسوا كلهم أثواب الشجاعة!

أصل الحكاية معروف ويقال أنه إجتمع نفر من الفئران التي تعيش في أحد البيوت الكبيرة حيث تتمتع بسعة العيش وحرية الحركة لمناقشة ما كان يقلقها دائما.

وهو وجود قط يمتلك مخالب وأسنان حادة تسمح له بإرعابهم وإفساد حياتهم ولإرساء نوع من السلام والطمأنينة في حياتهم كان يجب على هذه الفئران تحييد ذلك الخطر الذي يمثله القط

وبعد عدة إجتماعات عقدتها ومناقشات أجرتها حول هذا التحدي

إهتدت أخيراً إلى فكرة “عبقرية” وخلاصتها أن تضع جرساً حول رقبة هذا القط الأمر الذي يتيح لهم في هذه الحالة سماع القط عند قرب قدومه والإحتياط له حال قيامه بأي حركة للإقتراب والإنقضاض على أحدهم وذلك حتى لا يفترسهم واحداً تلو الآخر.

كانت فكرة الجرس هذه بالفعل فكرة ذكية وكفيلة بإنذار الفئران وتنبيهها قبل أن يقترب القط ليفتك بهم.

لكن هذا الحل واجه مشكلة عويصة وهى من ذا الذى يتطوع ويستطيع فعلاً وضع الجرس حول رقبة القط !

مغزى هذه القصة هو بالطبع كيفية وجود حلول عملية لمواجهة تجاوزات من يتحكمون في المصائر خاصة عندما يكون الضحية مكبل بمخاطر كثيرة قد تعرقل جرأته ؟!

بعض أصحاب الأعمال يتحرشون ببنات الناس اللاتى إضطرتهن ظروف الحياة للخروج للعمل.

بعض المديرين النافذين فى المصالح الحكومية أو الشركات عليهم مآخذ أخلاقية ولهم تجاوزات مالية وإدارية وقانونية.

 ولكن الجميع يلتزم الصمت فمن يجرؤ على تعليق الجرس فى رقابهم !

قد يدفع الفأر الذى يتطوع بذلك حياته أو إستقراره ثمنا لمحاولته وفى هذا الزمان سنجد من الفئران من يقول”إحنا حذرناه””جابها لنفسه” ماكان واكل شارب نايم وواخد حوافزه “عصفور وزن على خراب عشه”

هكذا تمضى الأمور بل تصل المأساة ذروتها عن وجود إتفاق سرى غير معلن بأن بعض الفئران ستبلغ القط مسبقا بمن سيقوم بمحاولة الإمساك بالجرس وتعليقه فى رقبته !

ويذكر التاريخ أن هناك رجلا إسمه “دومنيك ستراوس” كان يعمل مديرا لصندوق النقد الدولي وهو أحد أقوى المؤسسات العالمية.

وهى المعنية بوضع قواعد الإقتصاد العالمي ومن ثم فهي تتحكم في مصائر ملايين البشر الذين يدفعون ثمناً باهظاً إذا لم تستمع حكوماتهم لنصائحه والتي هي في الواقع أوامر حتى أن البعض يسميه “صندوق النكد الدولي”

كان ستراوس إقتصادياً فرنسياً ذا شهرة عالمية ونجماً ساطعاً داخل النخبة السياسية الفرنسية والأوروبية حتى أن الحزب الإشتراكي الفرنسي قرر إختياره ليكون مرشحه الرئاسي في مواجهة ساركوزي خلال إحدى الإنتخابات الرئاسية.

إختيار ستراوس لرئاسة الصندوق قبل حوالي أربعة أعوام قد جاء بتأييد قوي من الدول الأوروبية.

وقد نجح عندما تولى إدارة الصندوق نجاحا باهرا فى إدارة الأزمة المالية العالمية فى 2007 و2008 ولكن نقطة ضعفه كانت النساء وقد أسقطه تحرشه بعاملة غرف مسلمة فى نيويورك.

أودت به إلى السجن لبعض الوقت والفضيحة وخسارة منصبه وحينها تكشفت فضائح كثيرة له.

والمسألة ليست لما يقع التور تكتر سكاكينه ولكنها جرأة فأرة وضعت الجرس فى رقبته ورفضت التنازل عن حقها وقبلها لم يجرؤ أحد!

كلينتون ومونيكا مثال آخر… لذلك وجبت حماية الشعوب من نزوات هذا الصنف من الحكام القطط وجنونهم لكن كيف يحدث ذلك؟!

أومن يضع الجرس حول رقبة القط ؟!

هذا هو السؤال الكبير الذى يحتاج إلى إجابة وإلى شجاعة فكلنا تحيط بنا مخاطر شديدة تحتاج إلى المبادرة.

والمبادأة وشجاعة الشجعان وتعليق الجرس فى رقبة القط

لكن للأسف ومع تبدل المواقع نكون قططا حينا وأحيانا أخرى فئران وضحايا لكن لامانع أن نتعاون مع القطط.

فإختلط الحابل بالنابل وأصبحنا كلنا قطط وأصبحنا كلنا فئران والأجراس بلا أصوات رغم الخطر القادم.

بل ونعاقب من يجرؤ على تعليق الجرس فى رقبة القطط السمان فما بالكم بالقط الكبير !

شارك المقال: