مقالات
محمد كامل خضري
محمد كامل خضري

كاتب وصيدلي

محمد كامل خضري يكتب: حريم حارتنا

وكنت حينها فى الثانوية العامة وكان فى محيطى الكثير من الناس لم تخطئ الذاكرة فى أن تحتفظ لهم بملامح وذكريات وحوادث لأنماط من البشر

مشاركة:
حجم الخط:

فى تلك المدينة الشتوية التى تقبع آخر الوادى عشنا طفولتنا فى عدة أحياء ولكن كانت أطولهم مقاما هى التى فى حى شعبى عشوائى “الحكروب”إلى أن غادرنا المدينة نهائيا فى عام 73.

وكنت حينها فى الثانوية العامة وكان فى محيطى الكثير من الناس لم تخطئ الذاكرة فى أن تحتفظ لهم بملامح وذكريات وحوادث لأنماط من البشر.

فأم صباح زوجة عبد الباسط جارتنا على بعد ثلاثة بيوت من بيتنا كانت سمراء قصيرة ولم تنجب غير صباح وكل “ماتحبل” العيل يموت أثناء الولادة ويصبح خبراً حزينا لكل نساء الشارع.

وبعد هذا العمر بعد التعلم والخبرة خمنت أنها ربما كانت فى حاجة إلى حقنة ال”RH” بعد الولادة الأولى.

أما أم فريال التى تسكن فى البيت الذى على يسار البيت الذى فى مواجهتنا كانت ست جدعة وكريمة لدرجة أنها كانت تحتفظ بطواجن سمك فى تلاجتنا لغداءهم فى اليوم التالى.

وجاءنا ضيوف مفاجئين فإستأذنتها أمى فى السمك على أن تعيد لها مثيلتها فى الغد فرحبت جدا حتى أنها رفضت أن تصنع لها أمى بديلا.

محمد كامل خضري يكتب: صديقي مخترع الدواء

محمد كامل خضري يكتب: نظرية التطور

قائلة: ضيوفك ضيوفى ياأم محمد.

كانت فريال إبنتها الوحيدة طالعة سرحة وفرعة ممشوقة القوام زى أبوها عم عبده عامل التفجير فى المنجم وزميل أبى فى العمل.

طلعوها من المدرسة من سنة “ساته” ولكن إبن الحلال لم يجئ فكانت تقضى وقتها وهى “تنفس” جالسة خلف الباب الموارب على المارة والتلاميذ فى الرايحة والجاية على قلتهم.

وتسعد عندما ترسلها أمها لأحد الجيران لإستعارة مخرطة الملوخية أو مبشرة البصل.

أما أم أحمد عبد الوهاب فهى جارتنا الحيط فى الحيط كانت سيدة مسنة ونحيلة ورقيقة.

ويبدو إنها تزوجت على كبر كانت ست رزينة لاتسمع لها صوتا رغم أن لها أربع بنين.

الأستاذ أحمد مدرس الإبتدائى حديث التخرج وأراد أبى أن أكون مثله وخاصة أن له دخلاً إضافيا من جنيه إشتراك كل واحد من ال50 تلميذاً فى مجموعته التى تبدأ من الثالثة عصرا حتى الخامسة مساءًا.

ومحمود متطوع القوات الجوية بعد دبلوم الصنايع وتخصص فى هيكل ومحرك الطائرات.

ومحمد طالب الإعدادية والذى عرفت فيما بعد أنه إلتحق بكلية التربية.

وطه أو الشيخ طه كما نسميه والذى ولد بإعاقة ذهنية”ولدة عواجيز”

لكن هذه النوعية من البشر لها مكانة خاصة عند أهل الصعيد فيعتبرونهم من أولياء الله الصالحين الذين فى إيماءاتهم إشارات وفى لعابهم المنسال بركات لايقبلون فيهم مساسا ويكرمونهم بالعطايا والهدايا فهم أقرب إلى الله من سائر البشر الأصحاء!

كانت لهم أخت متزوجة من إبن عمها الذى يعمل موظفا فى محافظة مرسى مطروح تحضر لزيارتهم كل شتاء تقريبا إلى أن إنتقل لأسوان نهائياً.

“حد عاقل يسيب البحر الجميل والطراوة ويروح للنار الصيفية برجليه”زوجها محمد دبلوم التجارة كان أول من إخترع المناديل الكلينكس قبل الغرب.

ففى أثناء إصابته بالبرد كان يقطع الجورنال بإنتظام إلى مربعات صغيرة يستعملها لمرة واحدة ووجهة نظره “المحترمة”أن إستعمال المنديل القماش يحمل عدوى ذاتية تطيل فترة المرض!

أما أبوغلاب وهو تاجر يبيع للزبائن من خلال “طاقة”

فى جدار بيته والذى أقامه بنفسه بالطوب النى والطين فتجد حيطانه منبعجة.

وعندما يظهر شق فى الجدار يقوم بعمل مخمرة طينية من تراب الشارع ليدعم الجزء المصاب بتبليطه حتى أصبح بيته أشبه بتبة جبلية.

أبو غلاب كان له هيئة سيريالية أشبه بشخصية صلاح جاهين عندما يرسم نفسه تخين جدا وقصير لم يكن يعرض بضاعة دكانه.

ولم نر يوما زوجته طوال فترة جيرتنا ولم يختلط أبدا بالجيران ولم يشارك أحدا لا فى الفرح أو الترح أولاده لم يذهبوا إلى المدرسة ولكن إستعان بهم فى تجارته.
ولديه حمار بخرجين هو الناقل الرسمى والحصرى لبضاعة الدكان التى يشتريها من تجار المدينة أبناؤه أشكالهم أشبه بقدر الفول الفخار لكنهم شاطرين فى الحساب بسبب وقفتهم فى الدكان”تعلم ذاتى”

يبيع نقداً أحيانا وغالبا مبيعاته شكك على النوتة ويكتب فيها بخط لاتقرأ منه إلا الأرقام.

ويحاسب كل مدة”نص شهر”

وهو موعد إستلام الراتب لعمال السد ومعظم أهل الناحية منهم.

تطرق بيدك من الخارج على خشب الطاقة فيظهر لك أحدهم كأنه خارج من كهف ثم يختفى ليعود ومعه الطلب والحساب وعندما كنا نشترى منه العسل.

فإذا لم يُعْجِب أمى لإنه مايص ومغشوش أو طعمه لازع يأخذ منا الطبق ويفرغه ثانية فى البلاص ويعطينا الفلوس بعد غسيل الطبق حتى لاننعم بلحس المتبقي فى الطبق متبوعين ببرطمات وتمتمات ويبدو أنها لعنات على الزباين المقرفين !

إعتدال إمراة عم عباس لم تنجب رغم طول مدة زيجتها كانت وزوجها يمتون لنا بصلة قرابة كلما أرسلتنى أمى لها أجدها نايمة فى عز النهار فلم تكن تخرج من بيتها أبدا!

زينب طايع كانت إمرأة سعد “الأطرش والأخرس” أخو عباس.

عباس موظف كبير فى السد العالى حامل للتوجيهية كنا نحن الأطفال ننتظره عند أبوغلاب فيعطينا حلوى الكرمللة بعد أن يشترى سجائره”هليولود”

زينب كانت تتعامل مع سعد بالإشارة ولا أجدع مترجم للغة الإشارة فى قناة الجزيرة أثناء إذاعة نشرات الأخبار.

هو العامل بالسد العالى لم يكن لها أولاد ويبدو أن المشكلة لم تكن فى الحريم ولكن كانت فى الرجال.

كانت تخاف عليه من الإنهيارات الصخرية أثناء التفجيرات والتى قضت على أرواح الكثير من العمال وكنا نرى النعوش تتدفق يوميا لهذا السبب لكى تدفن فى محافظاتها لايناظرها إلا شهداء مصر فى حرب الإستنزاف

وجثث المصريين التى كانت تأتى من العراق بعد حرب الخليج ولكن أخوه عباس شغله فى مكان آمن نسبيا.

إنه أكل العيش ومتاعب المعيشة.

كانت زينب تعطيه يادوب ثمن تذكرة القطار الناقل لموقع العمل وسندوتشاته وتصبح هى المسئول عن كل مايتعلق بالإنفاق.

وفى يوم جاءها حافى لقد سرقوا الكاوتش وهو داخل المسجد يصلى جاءها فى عز القيالة، كنت أكتب لها الجوابات وأقرأ لها الوارد منها وهى تترجمها لسعد.

أما زوجة عم على النوبى كانت تسكن آخر الشارع وفى يوم سمعت جملة نوبية قالها أحد زملاء الملعب النوبيين فحفظتها وأثناء مرور إبنتها جربت الجملة”وأنا لاأعرف معناها”

وقلتها لها وكان يوم مايعلم بيه إلا ربنا ليه وليه تشتم بنتى”النينه بته حب الرمان”

أتاريها طلعت شتيمة لونا أحمر من شتايم مرتضى منصور وإعتذرت لهم أمى وأبى وناقص أشيل كفنى وأروح أقدمه لهم علشان يرضوا!

جليلة أم سيد وعبد الجليل وإسم الثالث نسيته لكنه يبدأ بعبد وأظنه الخالق.

وكلهم صنايعية”حداد ونجار مسلح وبناء”

ربتهم أمهم أيتام بعد زواج قصير وكلهم فى منتهى الأدب والأخلاق عملت مع الأسطى سيد البناء إبنها الأصغر.

وكلهم فى مقتبل الشباب لم يتزوجوا بعد كأن المرحوم أبوهم إستغل الخمس سنوات التى عاشها متزوجا وأنجب من الذرية مالم يستطع غيره أن يفعلها فى عمر طويل.

كان سيد يمشى على أطراف أصابعه ولايضع كعب قدمه على الأرض.

كان أبى له رأى فى هذا الموضوع هو أن الإنسان الرزين التقيل الراسى يبان من خطواته حيث يضع قدمه كلها على الأرض أما الإنسان الخفيف المتكبر المتعجرف فيمشى على أطراف أصابعه.

سيد كان إنسان طيب وجدع ربما كان من الإستثناءات فى قاعدة أبويا.

أما أم عنتر فكانت تسكن فى الشارع الموازى

وكان زوجها صيادا وأولادها كذلك فى النيل قبل أن تتكون بحيرة ناصر يبيعون سمكهم جملة فى حلقة السمك خلف جامع الحج حسن وبجوار أولاد حسنين كروم بتوع البهارات.

ويبقون من الصيد شوية لبيعهم للجيران بسعر أعلى نسبيا من سعر الجملة.

فتقوم أمهم بوضعه فى طشت كبير بعد أن تمرغه فى التراب علشان الحسد وتمر علينا.

ياحاج كامل …معايا شوية قراميط أو شوية بلطى.

طبعا السمكة لا تقل عن تلاتةكيلو.

والحصيلة كانت هى مصروف بيتها.

كان أبى محب لطواجن السمك التى تحسن أمى عملها.

أما أم بلطى فكانت فلاحة من بحرى تسكن فى أول الحى.

بلطى إبنها كان يلعب معنا الكورة وبناتها بيض وحلوين كانت دائما ماتتحفنا بالملبس والبسكوت عندما نلعب مع إبنها فى حتتهم…طبعاً أنا أتكلم عن بلد سمرة أهلها جعلتها همزة الوصل بين أفريقيا السوداء وشمال أفريقيا !

سمعت بعد أن رحلنا من أسوان أن بلطى دخل كلية الطب…أحيانا تصبح تسميات الدلع مشكلة لأولادنا فى الكبر …الكثيرون لايرغبون فى إستمرار إسم الشهرة معهم تصوروا يافطة مكتوب عليها.

عيادة الدكتور بلطى .

فى يوم إستضافنى صديق فى كلية الحقوق بالقاهرة فى أول عهدى بالجامعة وكنت فى طريقى لكليتى فى جامعة أسيوط مساء نفس اليوم.

كافتيريا كلية الآداب بجامعة القاهرة كانت بناتها شئ مختلف عن بنات جامعة أسيوط “التدخين عادى مع موضة الميكروجيب.

صاحبى رسب فى ذلك العام”

أما فى أسيوط حتى القادمات من القاهرة والدلتا لجامعة أسيوط بسبب المجموع تصعدن “أصبحن صعايدة” فى بلد كانت تسيطر عليه الجماعات الإسلامية

أصبحن ينطقن كلمة تضع”تلبط” ويسمين الخبز”الزلوط” وعندما يشرن إلى شئ يملكنه”بتاعى أو بتاعتى” يقلنها”شوغتى” وهكذا حتى وصلن للتخرج وعدن إلى بحرى كن قد نسين أن القاف ينطقنها همزة بعد أن تحجبن !

معظم دكاترتنا كانوا من الذكور إلا أستاذة فى قسم الكيمياء إسمها نوال وبعض المعيدات من الجيل الجديد
نكتفي بهذا القدر من نون النسوة !

شارك المقال: