مقالات
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول(2)

يعيش بجسده فقط في القرية، بينما عينه وقلبه وعقله هناك في القاهرة، منتظرًا فرصةً للانقضاض عليها، ليُريها من هو الهلباوي الذي فضلت عليه غريمه سعد

مشاركة:
حجم الخط:

الهلباوي يغادر «القاهرة» ساخطًا

على إثر خلافٍ حول الراتب، يُقرَّ لسعد زغلول راتبٌ شهري قدره سبعة جنيهات، وللهلباوي خمسة جنيهات.

يترك الهلباوي الجريدة ساخطًا، خاسرًا كل شيء، فاتته العالمية وخسر وظيفته، ويعود إلى قريته ليتاجر في القطن، منافسًا محتكرِي التجارة اليونانيين، وعينه لا تلتفت أبدًا عن غريمه ومنافسه سعد زغلول.

من الصحافة إلى تجارة القطن

تضمن له تجارة القطن حدًّا أدنى من المعيشة.

يعيش بجسده فقط في القرية، بينما عينه وقلبه وعقله هناك في القاهرة، منتظرًا فرصةً للانقضاض عليها، ليُريها من هو الهلباوي الذي فضلت عليه غريمه سعد.

طوفان النيل وصدامه مع رياض باشا

يمضي الهلباوي شهورًا في قريته، حتى يفاجئها طوفان النيل، وكانت تجاور إقطاعيةً خاصة لرياض باشا.

وبسبب عداوةٍ قديمة بين وكيل الإقطاعية وبعض كبار العائلات، استغل الكارثة للانتقام منهم، فأجبر أبناءهم على العمل بالسُّخرة في ترميم الجسور وإصلاح ما أتلفه الطوفان في أملاك رياض باشا، رئيس وزراء مصر.

فيكتب الهلباوي لجريدة «التجارة» مقالةً يصب فيها جام غضبه وسخطه على الوكيل وسيده، فيُسبِّب المقال حرجًا كبيرًا لرياض باشا.

فما كان من الوكيل إلا أن أمر بالقبض عليه، وأُرسل إليه مُقيدًا بالسلاسل، مهددًا إياه بخراب بيته.

فيرد عليه الهلباوي بأنه لا يقدر هو ولا سيده على ذلك، لكنه فطن لكلمته الأخيرة، وأنها جديرة بإلقائه في السجن، فرياض باشا كان شديد العصبية، قاسي العسف في تلك الأيام المضطربة.

أول مرافعة للهلباوي: النجاة بالحِجاج

فيُخفف الهلباوي من حدة الموقف، مدافعًا عن نفسه بالمنطق، مستدركًا:
«وهل لي بيتٌ حتى تُخربه؟! والقدرة لا تتعلق بالمستحيلات!»

فيخرج من ورطته، وكانت تلك أول مرافعةٍ يدافع فيها الهلباوي عن نفسه، مستعينًا بمنطق الحِجاج.

أحلام الوطن الحر وانكسار الثورة

تعصف الثورة العرابية بكل شيء.

ينسى الهلباوي كل شيء، وينضم لرفاق الأمس القريب. يطير إلى القاهرة، وينضم إلى أستاذه الإمام محمد عبده وعبد الله النديم.

ينسى ما بينه وبين غريمه اللدود سعد زغلول.

يسهرون الليالي الطوال، يدبجون المقالات والمنشورات الثورية، يحللون الأحداث وموازين القوى، آمالًا عريضة بخلق وطنٍ حرٍّ حديث، وطنٍ لا يفرق بين مواطنيه، كما علمهم الأفغاني.

ويلٌ للمهزوم: السجن والسياط

وتحدث الخيانة، وينكسر عرابي، وتنكسر الثورة، ويتفرق شمل الرفاق، وتتبدد الأحلام. يحاول كلٌّ النجاة.

يهرب من يهرب، ويُحاكم من يُحاكم، ويُعدم البعض، ويُسجن البعض، ويُنفى البعض، ويُحتل الوطن.

وتُكتب المقالات تكيل الاتهامات للثوار، فتتهمهم تارةً بالخيانة، وتارةً بالفوضوية، وتحمِّلهم في النهاية مسؤولية نكبة مصر وخرابها.

فتهتف الجماهير مطالبةً بالويل والثبور لمن كانوا يهتفون وراءهم يومًا.
ويلٌ للمهزوم، يا هلباوي! ويكون السجن من نصيب الهلباوي، مع وجبةٍ صباحية من جلد السياط.

عريضة الاسترحام والتحول الكبير

هنا يُمعن الهلباوي التفكير؛ يفكر عميقًا فيما كان وما سيكون، بعيدًا عن أي اعتبارٍ سوى نجاته وخلاصه الفردي. ماذا فعلت له الجموع التي هتفت معه؟ أين تبخرت في لمح البصر؟

يكتب الهلباوي عريضة استرحام إلى السير محمد سلطان باشا.
نعم، سيذكرك بلا ريب، فقد كان يومًا من رفاق الثورة، ثم باعها وباع عرابي، وأنعمت عليه الملكة فيكتوريا بلقب «سير»، وأنعم عليه الخديوي بعشرة آلاف جنيه ذهبًا، وبرئاسة مجلس شورى النواب.

من كاتبٍ في المجلس إلى متمردٍ مفصول

لم ينسه السير محمد سلطان، بل عيّنه كاتبًا في المجلس. يتدرج الهلباوي في المناصب، حتى يصبح رئيسًا لكتاب المجلس، براتبٍ شهري قدره أربعون جنيهًا.

لم يجد الهلباوي ذاته في حياة الموظفين؛ يكثر شغبه وجداله وتمرده، فيُفصل من المجلس.

المرافعة التي صنعت محاميًا

فيرفع قضية تعويض، ويترافع عن نفسه، فتهتز قاعة المحكمة بصوته الجهوري، وتنصاع لمنطقه المحكم، وتقضي له بتعويضٍ كبير.

ليجد الهلباوي نفسه أخيرًا في ساحات المحاكم، محترفًا المحاماة وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين.

الهلباوي وسعد زغلول: عودة المنافسة

وكانت مهنة المحاماة آنذاك تُساوي في نظر البعض مهنة «مزورٍ منمق».

وفي العام نفسه، 1886، يحترف سعد زغلول المحاماة، بعد نجاته من محاكمات الثورة العرابية بفضل علاقاته.

يلتقي الرجلان مجددًا في ساحات القضاء، وتتجدد المنافسة، لتتصارع أقدارهما بلا هوادة وكأنَّ مصيرَهُما متشابكٌ بفعلِ قدرٍ لا يغفلُ عنهما.

يقول سعد زغلول لاحقًا:
«إني اشتغلت بالمحاماة متنكرًا عن أهلي وأصحابي، وكلما سألني سائل: هل صرت محاميًا؟ قلت: معاذ الله أن أكون كقومٍ خاسرين»

شارك المقال: