محمد عبد الشكور يكتب: عندما يحوِّل أسامة الأزهري المصري المسلم إلى «مريد»
تزداد مخاطر هذا البروتوكول حين تتحول علاقة الصداقة الشخصية والروابط الفكرية بين الدكتور أسامة الأزهري والحبيب علي الجفري إلى مدخل رسمي لإدارة المؤسسة الدعوية للدولة.
أسامة الأزهري والحبيب علي الجعفري أثناء توقيع البروتوكول
تشكل العلاقة بين المؤسسات الدينية الرسمية والمراكز الفكرية والبحثية مسألة دقيقة تتجاوز حدود الاتفاقيات الإجرائية المعتادة لتلامس جوهر إدارة “القوة الناعمة” وبناء الوعي المجتمعي.
في هذا السياق يطرح إعلان وزارة الأوقاف المصرية، ووزيرها الدكتور أسامة الأزهري عن توقيع بروتوكول تعاون مشترك مع “مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات” نقاشاً علمياً وعملياً واسعاً حول المعايير والمنطلقات التي ينبغي أن تُبنى عليها مشاريع تأهيل الأئمة وتطوير الخطاب الإسلامي المعاصر، خاصة حين يتعلق الأمر بدولة تمتلك عاصمة العلم الإسلامي ورصيداً تاريخياً ومؤسسياً يمتد لأكثر من ألف عام، وهي مؤسسة الأزهر الشريف.
إن المراجعة الموضوعية لهذا الملف تتطلب الخروج من إطار الانطباعات الشخصية إلى فضاء التحليل المؤسسي.
فالمسألة لا تتعلق برفض الشراكات أو التشكيك في النيات، بل ترتبط بتحديد “مركز الثقل المعرفي” والدور المنوط بكل طرف.
فحين نتحدث عن إعداد الخطباء وتطوير المناهج الدعوية في بلد الأزهر الشريف، فإن العقل والمنطق التخطيطي يفرضان تسليط الضوء على الأولوية المنهجية التي تتمتع بها الكليات الأزهرية العريقة ومراكز الأبحاث الوطنية، والتي تمتلك المظلة العلمية والهياكل الأكاديمية الراسخة الكفيلة بتقديم رؤية تجديدية شاملة ومتوازنة.
محمد عبد الشكور يكتب: عندما اغتيل الأكسجين باسم الأمن والتطوير! مذبحة الأشجار
نشأة “طابة” وتحديات الهوية المنهجية
تأسست “مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات” في أبوظبي عام 2005 بصفة غير ربحية تهتم بتقديم مبادرات وإعادة تأهيل الخطاب الإسلامي المعاصر، ويرأس مجلس أمنائها الداعية اليمني الحبيب علي الجفري.
وقد أثار اختيار هذه المؤسسة تحديداً لتدريب الأئمة وتطوير خطب المساجد في مصر جملة من التساؤلات المنهجية حول طبيعة كيان حديث النشأة مقارنة بتاريخ المؤسسات العلمية المصرية.
يرى مراقبون أن الخبرات التراكمية لمؤسسة لم يتجاوز عمرها عقدين من الزمان لا يمكن قياسها بالرصيد الأكاديمي الممتد لأكبر جامع وجامعة في العالم الإسلامي وهو الأزهر الشريف.
كما أحيطت المؤسسة بالعديد من علامات الاستفهام الدائرة حول شبكة شراكاتها الخارجية، وطبيعة التمويل المعلن عنه، وموقفها من القضايا الفكرية المحورية.
إن إقحام مثل هذه الكيانات الخاصة ذات الطابع المثير للجدل في صلب برامج إعداد الخطباء يفتح باباً واسعاً للحيرة المجتمعية.
ويطرح علامات استفهام حول مدى ملاءمة إسناد أمانة تشكيل العقل الديني والمجتمعي لجهة غير رسمية وغير خاضعة لأطر الرقابة الأكاديمية الوطنية الشاملة.

مقتضيات التخصص وميزان التأهيل الأكاديمي
تقتضي الحوكمة الإدارية والرؤية الناقدة التوقف أمام المعايير العلمية والمؤهلات الأكاديمية الخاصة بمشروعات التدريب.
فالتطوير الفكري والدعوي ليس مجرد تنظير عام أو انطباعات ومبادرات فردية، بل هو عمل منهجي يعتمد على أدوات البحث الأكاديمي، والدراسات المقارنة، والتعمق في علوم الشريعة ومقاصدها.
ومن هنا ينشأ التساؤل المنهجي حول مدى تكافؤ التراكم المعرفي بين مؤسسة أزهرية رسمية تعتمد على السلم الأكاديمي الممتد من الإجازات إلى درجات الدكتوراه، وبين مراكز أبحاث خاصة تعتمد مسارات تثقيفية أو إجازات تقليدية غير خاضعة لمعايير الاعتماد الأكاديمي المتعارف عليها.
إن فارق الخبرة والتأهيل المؤسسي بين أروقة الجامعات النظامية المخصصة للعلوم الشرعية وبين الجمعيات والمؤسسات البحثية الناشئة يجعل من الضروري إعادة إرساء مبدأ “الأصالة المرجعية” فالاستعانة بأي بيت خبرة ينبغي أن تخضع لتقييم علمي مقارن يُثبت امتلاك الجهة المستعان بها لمميزات استثنائية لا تتوفر في الهيئات والأقسام العلمية القائمة بالفعل داخل هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية وجامعة الأزهر بكلياتها المتخصصة.
الصداقة الشخصية ومخاطر فرض التصوف
تزداد مخاطر هذا البروتوكول حين تتحول علاقة الصداقة الشخصية والروابط الفكرية بين الدكتور أسامة الأزهري والحبيب علي الجفري إلى مدخل رسمي لإدارة المؤسسة الدعوية للدولة.
فالوزير بما عُرف عنه من انحياز لمدرسة التصوف يتشارك مع الجفري في توجهات واضحة نحو المنهج الصوفي، غير أن تحويل هذا المشرب الفكري الخاص من خيار شخصي إلى سياق إداري يُلزم أئمة وزارة الأوقاف ويوجّه الخطاب المباشر للمواطنين يُعد خروجاً عن ثوابت التوازن.
إن محاولة نشر التصوف الصوري وتعميمه داخل مساجد مصر عبر بروتوكولات التدريب وتوجيه الأئمة تحمل في طياتها مخاطر إحداث استقطاب داخل الحقل الدعوي، فالإمام والخطيب في المساجد العامة بحاجة إلى التأهيل على قواعد الأحكام المقاصدية.
ومعالجة القضايا الاجتماعية والأسرية والاقتصادية الحية، ونشر قيم التسامح والعمل، بعيداً عن الاستغراق في الرؤى الخاصة التي قد لا تعبر عن كافة أطياف المجتمع المصري المسلم، مما يحفظ للمسجد دوره الجامع ولكل مواطن طمأنينته الفكرية.

شفافية التمويل والأمن الفكري
يمتد النقد التحليلي لهذا النمط من البروتوكولات ليطال شروط الشفافية ومقتضيات السلامة الفكرية؛ إذ تفرض الاعتبارات الوطنية الاطّلاع الدقيق والمعلن على مصادر تمويل المؤسسات الخاصة أو الإقليمية التي تشارك في أداء أدوار التأهيل والتدريب.
فالعمل في مجالات تشكيل الوعي الديني يتصل اتصالات وثيقاً بالأمن القومي الفكري، مما يستوجب وضع ضمانات وشروط حازمة تحول دون تأثر المحتوى الموجه للجمهور بأي توجهات أو أطر خارجية غير مدروسة.
كما أن استقراء طبيعة الشبكات البحثية والشراكات بين المراكز المختلفة يستدعي دراسة أعمق لنوعية البرامج والمناهج التي تُقدَم للأئمة، والتحقق من مدى انسجامها مع الخط الفكري الوطني، فالقضايا الدينية المعاصرة، وتحديات الإلحاد، ومواجهة الفكر المتطرف، وتفنيد الشبهات، تحتاج إلى صياغة مصرية أصيلة تنبع من دراية بشرائح المجتمع وثقافته المحلية، وليس إلى مساقات جاهزة أو استشارات مُستوردة من أطر مغايرة لطبيعة الواقع الاجتماعي.
الواجب الوطني وصيانة القوة الناعمة
إن الحفاظ على الريادة العلمية والدعوية لمصر ليس مجرد مظهر شكلي أو انحياز جغرافي، بل هو واجب حضاري وأمانة تاريخية تستوجب صيانة المكتسبات التي تراكمت عبر القرون.
فالأزهر الشريف يمثل القوة الناعمة الأولى التي يُقصد علماءها وخريجوها من كافة بقاع الأرض للنهل من معارفهم ولتعلّم أصول الدعوة والخطاب الديني الرشيد، وهو ما يفرض أن تبقى مصر هي المصدّر الأول للعلم والمعرفة الإسلامية، لا أن تصبح في موقع المستقبل للبرامج التدريبية من كيانات أحدث نشأة وأقل إمكانات.
إن الرؤية الوطنية الرشيدة تقتضي إعادة ترتيب الأولويات؛ بحيث تنصب كافة جهود وزارة الأوقاف على الشراكة الكاملة والتكامل التام مع الأزهر الشريف ومؤسساته الأكاديمية والبحثية، وإتاحة الفرصة للعقول الشابة من العلماء والباحثين المصريين لقيادة عملية التجديد المأمولة.
وبذلك نضمن للخطاب الديني أصالته وعمقه، ونحمي العقل الجمعي من التشتت، ونحافظ للمؤسسة الوطنية الشامخة على دورها ومكانتها السامية في هداية العقول وبناء الإنسان.
شاركنا برأيك