محمد طلعت يكتب: “جوكوفو” قرية تشيخوف التي تتجاوز حدودها
منذ هذه اللحظة يكتب "تشيخوف" عن مصير إنساني يتجاوز هذه القرية الروسية البائسة يتجاوز حدود الزمان والمكان.

الأديب الروسي العالمي أنطوان تشيخوف
هناك ما يشبه الحنين الذي لا ينقطع بيني وبين الأدب الروسي في حقبته الذهبية، أستعيد انبهاري وفرحتي تلك حين تعرفت للمرة الأولي عليه منذ أكثر من عشرين عاما من خلال روايته الأعظم الحرب والسلم ليو تولستوي في مكتبة الزقازيق العامة.
وأنا اليوم أعود بقراءتي نوڤيلا “الفلاحون” للكاتب الكبير أنطون تشيخوڤ
بترجمة: أبوبكر يوسف
تبدأ أحداث رواية “الفلاحون’ لأنطون تشيخوف بآخر يوم ل “نيكولاي” وأسرته في موسكو.
فقد أنهك المرض جسده، ومنعه عن عمله، واستنزف ما ادخره هو وزوجته “أولجا” من مال، فلم يبق أمامه سوى العودة إلى مسقط رأسه، قرية “جوكوفو” البعيدة، الراقدة في ذاكرته بوصفها ملاذًا أخيرًا وبيتًا أولًا.
غير أن القرية التي يصل إليها ليست تلك التي عاشها في الذكريات، ولا تلك التي احتفظت بها مخيلته سنوات الغياب. يجد مكانًا مثقلًا بالفقر والعنف والجهل والقسوة، ويجد بشرًا سحقتهم الحياة، طمست ملامحهم حتى صارت المعاناة هي لون أيامهم.
منذ هذه اللحظة يكتب “تشيخوف” عن مصير إنساني يتجاوز هذه القرية الروسية البائسة يتجاوز حدود الزمان والمكان.
فالفقر في “الفلاحون” حالة تتسلل إلى الروح ذاتها. إنه فقر يسرق من الإنسان قدرته على التعاطف، ويبدد ألفته بالأشياء والمشاعر والقيم، فقر يباعد بين الإنسان ونفسه ، بين الإنسان والسماء.
في “جوكوفو” نرى الجوع يتسرب ويمد أصابعه بقسوة ليبقى أثره الطويل في اللغة والعلاقات والأحلام والإرادة.

ولعل من أبرز ما يميز تشيخوف أنه لا يحول شخصياته إلى أفكار أو شعارات.
فلا نجد في الرواية شخصيات تتحدث باسم المؤلف أو تحمل أطروحات فلسفية جاهزة يخطب طنانة، وإنما نرى رجالًا ونساءً من لحم ودم، غارقين في تفاصيل حياتهم اليومية ومآسيهم الصغيرة والكبيرة.
ومن خلال هذه الحياة وحدها تتكشف الأسئلة الكبرى وملامسة هذا الشقاء الذي كأنه ممتد إلى الأبد.
في هذا الجانب تبدو “جوكوف” قريبة من الحارة عند نجيب محفوظ، أو من ماكوندو عند جابرييل غارسيا ماركيز (ما يزيد إحساسنا هنا بذلك وجود الجدة بسطوتها وحكاياتها غضبها وحنقها من كل شيء).
إنها مكان صغير ومعزول، لكنه يتحول إلى صورة مكثفة للعالم الإنساني بأسره. ولذلك يشعر القارئ، مهما اختلفت بيئته وثقافته، أنه شديد القرب من هؤلاء الناس يعرف حقا معنى آلامهم.
ومن المشاهد الكاشفة في الرواية حادثة الحريق التي تندلع في أحد البيوت الفقيرة التي تشبه كل البيوت في”جوكوفو”.
وما يثير الأسئلة ردود فعل أهل القرية. يحاولون المساعدة، لكن اليأس يتسرب إليهم سريعًا. وكأن سنوات البؤس الطويلة استنزفت قدرتهم على الإيمان بجدوى الفعل والمقاومة.
ويبلغ هذا الجفاف الإنساني ذروته في مشهد موت نيكولاي. فبعد صفحات من المرض والانحدار الجسدي، لم يمنح تشيخوف بطله موتًا بطوليًا أو مشهد وداع مؤثرًا، يكتفي هنا بجملة مقتضبة: “وفي الصباح توفي”.
هذه العبارة الصادمة في اختصارها لا تعكس برودة الكاتب بقدر ما تعكس عالم الرواية نفسه، عالمًا ضاقت فيه مساحة المشاعر والألفة حتى أصبح الموت، على فداحته، جزءًا من إيقاع الحياة اليومية.
أما النهاية، بخروج أولجا وساشا من القرية بعد موت نيكولاي، فتظل من أكثر النهايات إثارة للأسئلة.
هل هو هروب أم خلاص؟
هل هو أمل أم مجرد انتقال من بؤس إلى بؤس آخر؟
“أم أن نشأتهما في موسكو جعلت لديهما، على خلاف أهل القرية، أفقًا لحياة أخرى؟
لا يقدم تشيخوف إجابة حاسمة. فالمسافرتان تغادران بلا مال تقريبًا، وتعتمدان على إحسان الغرباء. ومع ذلك، فإن مجرد مغادرتهما يفتح نافذة على المجهول.
ربما تكمن قوة هذه النهاية في أنها لا تعد بشيء.
إنها لا تمنح القارئ نهاية سعيدة، ولا تغلق الباب أمام الأمل. إنها تكتفي بوضع شخصيتين على طريق مفتوح، بعد أن قضت الرواية كلها داخل عالم مغلق.
وكأن تشيخوف يريد أن يقول إن الحياة لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة، وإن الإنسان، مهما أثقلته الظروف، يظل قادرًا على التطلع إلى أفق آخر، ولو كان غامضًا وبعيدًا.
لهذا تبقى “الفلاحون” عملًا أدبيًا يتجاوز روسيا وزمنها.
إنها رواية عن الإنسان حين يُحاصر بالفقر ،القهر،الجهل والمرض وعن الروح حين تتشبث بالأمل، وعن الحلم في خلق الطريق الذي يظل ممتدًا دائمًا بعد أن نعتقد أن نهاية الحكاية قد كتبت.
أجد أن الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور مس هذي المعاني بعمق حين تحدث عن الفقر في مسرحيته الخالدة “مأساة الحلاج” فيقول :
وما الفقر ؟
ليس الفقر هو الجوع إلى المأكل
والعري إلى الكسوة
الفقر هو القهر
الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح
الفقر هو استخدام الفقر لقتل الحب وزرع البغضاء
الفقر يقول _ لأهل الثروة _اكره جمع الفقراء
فهمُ يتمنون زوال النعمة عنك
ويقول لأهل الفقر
إن جعت فكل لحم أخيك
الله يقول لنا : كونوا أحباباً محبوبين
والفقر يقول لنا : كونوا بغضاء بغاضين
اكره … اكره … اكره
هذا قول الفقر !”






