مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

خبير تربوي

عندما أدارت الرياض ظهرها لمشروع الأمن المشترك؟

عض الدول التي راهنت على هذه التحالفات الخارجية وجدت نفسها في النهاية مكشوفة، تعتمد على دول غير عربية لتأمين حدودها، بينما كان يمكن أن يكون التحالف العربي هو الحصن المنيع.

مشاركة:
حجم الخط:

تحالف عربي مشترك 

عشر سنوات مضت على ذلك اليوم الذي وقف فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي ليطرح رؤية استراتيجية كان يمكن أن تغير وجه المنطقة العربية إلى الأبد.

كان ذلك في عام 2015، حين دعا إلى إنشاء تحالف عسكري عربي مشترك، جيش عربي موحد يكون درعاً للأمة العربية في وجه المخاطر المحدقة بها.

لكن الرفض كان قاسياً وسريعاً، وعلى رأسه كان الموقف السعودي.

واليوم، وبعد أن اشتعلت المنطقة ناراً، وسالت الدماء في غزة ولبنان واليمن والسودان، وبعد أن طالت الصواريخ الإيرانية عمق المنطقة، وبعد أن ثبت للجميع أن القواعد العسكرية الأجنبية لم تكن لحماية العرب بل لحماية إسرائيل، نعود لنتساءل: ألم نقل لكم؟

عام 2015.. رؤية مصرية استباقية قوبلت بالرفض

كانت مصر يمتلك النظرة المستقبلية ما جعلها تدرك قبل الجميع أن المنطقة مقبلة على مرحلة خطيرة، وأن التهديدات لن تكون حدودية فقط بل ستمتد إلى الأمن القومي للدول العربية مجتمعة.

كان طرحها واضحاً: إما أن نكون يداً واحدة، أو أن نأكل بعضنا البعض.

لكن للأسف

ضربت النزوات الوطنية الضيقة، وحساسيات التبعية للتحالفات الخارجية، عرض الحائط بهذه الدعوة التاريخية.

كان الرفض السعودي الأكثر إيلاماً، وكأن الرياض آنذاك كانت تراهن على علاقاتها بالقوى الخارجية، أو على قواعدها العسكرية التي ظنت أنها ستكون حامية لها.

القواعد العسكرية.. وهم الأمان الذي انكشف

تلك القواعد التي بُني بعضها بعشرات المليارات، والتي راهنت عليها بعض الدول العربية كبديل عن التحالف العربي المشترك.

أثبتت هذه الأيام أنها لم تكن لحماية الدول العربية، بل كانت لحماية الكيان الصهيوني أولاً وأخيراً.

نعم، انكشف الوهم.

ففي لحظة الخطر الحقيقي، عندما أطلت إيران بتهديداتها المباشرة، وعندما احتاجت المنطقة إلى ردع حقيقي، لم تتحرك تلك القواعد إلا ضمن أجندة تحمي إسرائيل وتؤمن مجالها الجوي.

لقد كانت درعاً لإسرائيل لا درعاً للعرب.

الأدهى من ذلك أن بعض الدول التي راهنت على هذه التحالفات الخارجية وجدت نفسها في النهاية مكشوفة، تعتمد على دول غير عربية لتأمين حدودها، بينما كان يمكن أن يكون التحالف العربي هو الحصن المنيع.

هجوم إيران.. ولحظة الحقيقة

عندما واجهت المنطقة هجوماً إيرانياً غير مسبوق، وعندما اخترقت الطائرات المسيرة والصواريخ الأجواء العربية بكل جرأة، كان السؤال الذي طرحه الجميع: أين التحالف العربي؟

لقد كانت لحظة الحقيقة التي أثبتت صحة الرؤية المصرية.

فبينما كانت إيران تضرب هنا وهناك، اكتشفت الدول العربية أنها تعتمد على أنظمة دفاع جوي منفصلة، لا تتوحد في مواجهة التهديدات، بل لكل دولة ردة فعلها المنفردة التي لا تشكل رادعاً استراتيجياً حقيقياً.

مصر وحدها.. الثقل الحقيقي

في خضم هذا الفراغ العربي، ظلت مصر هي الثقل الحقيقي. جيشها القوي، ومواقفها السياسية الواضحة، ودورها المحوري في التهدئة والمصالحة، كلها أثبتت أن مصر كانت على حق حين دعت إلى وحدة الصف.

مصر لم تكن تطلب من الدول العربية أن تتخلى عن سيادتها، بل كانت تدعو إلى تكامل عسكري واستراتيجي يحمي الجميع. كانت تدرك أن التحديات التي تواجه الأمة العربية أكبر من قدرة دولة بمفردها، وأن الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ.

دروس لا تُنسى

ما حدث في العقد الأخير يجب أن يكون درساً لا يُنسى للعرب جميعاً:

الدرس الأول: التحالفات الخارجية مهما قويت، تظل مصلحتها هي الأولى، ولن تضع مصلحة العرب فوق مصلحتها.

الدرس الثاني: التبعية للقوى الكبرى تجعل من الدول العربية رهينة لأجندات لا تمت لأمنها بصلة، كما حدث مع القواعد التي تحولت لحماية إسرائيل.

الدرس الثالث: الأمن العربي مسؤولية عربية أولاً، ولا يمكن تفويضها لأحد. والرؤية المصرية كانت ولا تزال الأكثر انسجاماً مع المصالح العربية الحقيقية.

الدرس الرابع: الرفض الذي قوبلت به دعوة التحالف العربي في 2015 كان خطأ استراتيجياً فادحاً، دفع العرب ثمنه غالياً من دمائهم وأمنهم.

إلى أين؟

اليوم، وبعد أن اكتملت الصورة للجميع، وبعد أن ثبت أن إيران تواصل مشروعها التوسعي، وأن إسرائيل تمعن في العدوان دون رادع، وأن القوى الكبرى تتعامل مع المنطقة بمنطق المصالح، بات مطلوباً من الدول العربية أن تعيد النظر في حساباتها.

التحالف العسكري العربي المشترك لم يعد خياراً كمالياً، بل أصبح ضرورة وجودية. وما طرحته مصر قبل عشر سنوات لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل كان تشخيصاً دقيقاً للمرض ووصفة للعلاج.

إن كان هناك متسع من الوقت لإصلاح ما فات، فعلينا أن نعترف بأن مصر كانت على حق، وأن الرياض وغيرها أخطأت في تقدير المخاطر، وأن القواعد العسكرية الأجنبية لم ولن تحمي العرب، وأن التحالف العربي هو السبيل الوحيد لاستعادة الردع وحماية الأمن القومي.

الخلاصة:

لقد آن الأوان لنقولها صراحة: مصر رأت المستقبل قبل غيره، ودعت إلى الوحدة فقوبلت بالرفض.

واليوم، وقد انكشفت الأوراق، وثبت أن القواعد العسكرية كانت لحماية إسرائيل، وأن التهديد الإيراني حقيقي ومستمر، فإننا نأمل أن تعود الدول العربية إلى رشدها، وتتحد تحت راية واحدة، راية الدفاع عن الأمة العربية.

مصر تظل ذراع العرب القوية، ودرعهم الحصين، لكن الدرع يحتاج إلى جسد لتحميه. وهذا الجسد هو الأمة العربية الموحدة. فإن لم نتحد اليوم، فمتى؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظره كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع 

شارك المقال: