مقال بوك
عدنان الروسان
عدنان الروسان

كاتب ومحلل أردني

عدنان الروسان يكتب: الخليج على صفيح ساخن والتسوية معلقة

صورة المشهد في الخليج اليوم أخطر وأكثر تعقيدًا مما يعتقد البعض. ما نراه أصبح أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الأطراف، مع محاولة كل طرف فرض شروط تفاوض أفضل قبل العودة إلى تسوية

مشاركة:
حجم الخط:

هل تكسر حرب الاستنزاف قواعد اللعبة في الخليج بين واشنطن وطهران؟ 

ليس كلُّ صمتٍ في الخليج سلاماً، ولا كلُّ انفجارٍ بدايةَ حربٍ شاملة؛ نحن أمام مشهدٍ تُدار فيه المعارك بالقطّارة، وتُصاغ فيه شروط التفاوض على صفيحٍ ساخن.

في هذه الرقعة الشديدة التعقيد، يتواجه الجميع بلا أوهام:

واشنطن تريد خنقاً بلا غزو، وطهران تعتمد الاستنزاف بلا انكسار، بينما يرقب المارد الصيني المشهد بصبرٍ استراتيجي، منتظراً لحظة إعادة تشكيل قواعد اللعبة.

صورة المشهد في الخليج اليوم أخطر وأكثر تعقيدًا مما يعتقد البعض.

ما نراه أصبح أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الأطراف، مع محاولة كل طرف فرض شروط تفاوض أفضل قبل العودة إلى تسوية، بينما الجميع مصرون على التمترس في مواقعهم.

أما الوسطاء التقليديون (قطر وباكستان) فلم يعودوا قادرين على المضي قدماً في وساطاتهم، وربما أصابهم الإحباط.

تستأنف الولايات المتحدة الضربات الجوية والصاروخية وبالطائرات المسيرة بين فترة وأخرى، وترد إيران بدورها على تلك الضربات بضرب أهداف في دول الخليج، ثم تعود الأمور إلى مرحلة الهدوء النسبي القائم.

يحدث هذا في ظل غياب مفاوضات مباشرة فعالة حاليًا، وتواصل الولايات المتحدة الضغط عبر الحصار والعقوبات، خصوصًا على صادرات النفط والملاحة في مضيق هرمز.

أرى أن الهدف الأمريكي الأساسي ليس احتلال إيران أو إسقاط النظام عسكريًا بالمعنى التقليدي، فهذا خيار مكلف جدًا.

وبعد أن جربت كافة السبل والوسائل وفشلت فيها حتى الآن، فإن ما تحاول فعله اليوم هو خنق الاقتصاد الإيراني.

ومنع إيران من استخدام مضيق هرمز ورقةً استراتيجية، وإضعاف قدراتها الصاروخية والعسكرية، ودفع القيادة الإيرانية إلى قبول اتفاق أوسع من الاتفاقات السابقة، مع تجنب الخوض في حرب برية طويلة.

لكن هذا لا يعني أن إيران على وشك الانهيار

إذ تستطيع جعل تكلفة استمرار الحرب مرتفعة جدًا عبر الخليج والملاحة والصواريخ والطائرات المسيرة.

المعضلة الإيرانية الأكبر الآن اقتصادية وليست عسكرية فقط. ومن الواضح أن إيران لن تستسلم.

ولا تريد دخول حرب شاملة لا تستطيع تحملها إلا إذا فُرضت عليها

هي تحاول رفع تكلفة الحرب على أمريكا وإسرائيل لتعزيز موقفها التفاوضي حين تحين ساعة الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن استمرار الضغط الأمريكي على إيران يخدم هدفًا أساسيًا لديها، وهو إضعاف قدرات طهران العسكرية والإقليمية لأطول فترة ممكنة.

لكن علينا الانتباه إلى أنه كلما طال أمد الصراع، توجب على إسرائيل تحمل تكلفة أمنية واقتصادية وسياسية أكبر، خصوصًا إذا اتسع نطاق القتال إلى الخليج والعراق ولبنان أو استمر تهديد الملاحة.

لذلك لا أعتقد أن إسرائيل تريد حربًا بلا نهاية، فهي أيضًا باتت منهكة من الحروب وإن كانت تكابر عبر تصريحات نتنياهو وأركان حكومته، لكنها تسعى بقوة لإضعاف إيران ثم التوصل إلى تسوية تمنع إعادة بناء قدراتها سريعًا.

وإذا نظرنا إلى الجهة الأخرى، إلى الصين

المارد الهادئ الذي يراقب المشهد بصبر ، نجد أنها ليست مستعدة على الأرجح للدخول في حرب إلى جانب إيران ضد أمريكا.

هذا يبدو منطقيًا إلى حد كبير، فالصين دولة عظمى ولها مصالح استراتيجية، وتريد الحفاظ على التوازن دائمًا بين الأضرار والمنافع في كل خطوة تتخذها.

هي لا تريد انتصارًا أمريكيًا ساحقًا يؤدي إلى إخراج إيران من المعادلة أو ترسيخ الهيمنة الأمريكية على الخليج، ولا تريد في الوقت نفسه الدخول في مواجهة مع أمريكا لأجل إيران.

للصين مصالح ضخمة مع الخليج وإيران معًا، وأمن الطاقة وممرات التجارة مسألة استراتيجية بالنسبة لها، ولذلك فهي تقدم الدعم السري المكشوف.

وهذا يفسر تحرك شي جين بينغ الأخير في الشرق الأوسط

فقد دعا إلى إطار أمني إقليمي جديد وتقليل التدخل الخارجي، في محاولة واضحة لتوسيع الدور الصيني في المنطقة.

يدرك ترامب أن إطالة أمد النزاع تفتح ثغرات أمنية واقتصادية لتوسع النفوذ الصيني، فبينما تستنزف أمريكا قدراتها في الخليج، تستمر بكين في التأمين التدريجي لإمداداتها وتوسيع علاقاتها الدبلوماسية.

والأكثر إثارة للاهتمام أن الصين ما زالت قادرة على أن تكون صمام الأمان الاقتصادي لإيران، لكنها ترفض المغامرة بعلاقتها مع الولايات المتحدة أو دول الخليج.

تريد بكين أن تفقد واشنطن نفوذها في المنطقة بأكبر صورة ممكنة دون أن تحترق المنطقة بأكملها

وهنا يمكن أن يحدث تحول في الحرب إذا تجاوزت الصين خطوطًا معينة؛ فإذا بقي تدخلها دبلوماسيًا واقتصاديًا، فسيكون بمقدورها مساعدة إيران على الصمود ومنع انهيارها دون مواجهة مباشرة مع أمريكا.

أما إذا بدأت بتوفير دعم عسكري مباشر، أو حماية بحرية للسفن الإيرانية، أو تحدي الحصار الأمريكي عسكريًا، فسيتغير المشهد جذريًا.

عندها لن تكون القضية “حرب إيران” بل ستصبح جزءًا من المواجهة الأمريكية الصينية على قيادة النظام الدولي الجديد، ولا أعتقد أن بكين تريد الوصول إلى هذه النقطة الآن.

يؤكد الواقع السياسي والعسكري الاستراتيجي أن إيران ليست في وضع يسمح لها بالانتصار العسكري على الولايات المتحدة، لكن الأخيرة لا تملك أيضًا طريقًا سهلًا لتحقيق نصر استراتيجي كامل.

ولهذا قد يكون الناتج النهائي للمشهد اليوم هو استمرار أمريكا في ضرب وإضعاف إيران، واستمرار إيران في الرد ورفع تكلفة الحرب.

بينما تستفيد إسرائيل من إضعاف طهران، وتستفيد الصين جيوسياسيًا من تراجع النفوذ الأمريكي، ليعود الجميع في النهاية إلى طاولة التفاوض.

فهل يدرك ترامب هذه المعادلة؟ الله أعلم 

شارك المقال: