آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: هم الحرب البرية ضد إيران

التهديد بالحرب لم يعد إعلانًا عن نية، بل أداة ضمن منظومة أوسع من الضغط. فالدول الكبرى لم تعد تقيس قوتها فقط بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على تجنّبه حين تكون كلفته أعلى من عائده

مشاركة:
حجم الخط:

كيف تُدار الحروب حين يصبح الحسم مستحيلاً؟

في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه الجبهات، لم تعد الحروب تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى، بل حين يصبح الحديث عنها أمرًا مألوفًا. فالحروب تُصاغ – قبل أن تُخاض- في اللغة، وفي الخطاب، وفي التوقعات التي تُمهّد لها الطريق.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال عن احتمال اندلاع حرب برية بين الولايات المتحدة وإيران لا يتعلق بإمكانية وقوعها فحسب، بل بطبيعة المرحلة التي يمر بها النظام الدولي نفسه: مرحلة تُستدعى فيها القوة، لكن يُتجنّب استخدامها الكامل.

بين التهديد والقرار

التهديد بالحرب لم يعد إعلانًا عن نية، بل أداة ضمن منظومة أوسع من الضغط. فالدول الكبرى لم تعد تقيس قوتها فقط بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على تجنّبه حين تكون كلفته أعلى من عائده.
وقد أشار أندرو باسيفيتش إلى أن الحروب الأمريكية المعاصرة اتسمت بغياب نهايات واضحة، بما يكشف حدود القوة العسكرية في تحقيق الحسم السياسي¹، بينما يرى ستيفن والت أن التهديد باستخدام القوة يؤدي وظيفة سياسية دون أن يتحول بالضرورة إلى فعل².

حدود القوة في عالم معقّد

تفترض بعض القراءات أن التفوق العسكري يتيح الحسم السريع، غير أن التجربة الحديثة تشير إلى عكس ذلك. فالقوة، حين تُستخدم في بيئات معقدة، قد تتحول من أداة حسم إلى مصدر استنزاف.
إيران، بوصفها دولة واسعة المساحة ومتعددة التضاريس، تمثل نموذجًا لما يمكن تسميته بـ“البيئة المقاومة للحسم”.
المشكلة ليست في القدرة على بدء الحرب، بل في القدرة على إنهائها.
وهو ما يعكسه تحليل جون ميرشايمر حول تورط القوى الكبرى في صراعات تفوق قدرتها على الإنهاء³.

الجغرافيا بوصفها قرارًا مسبقًا

في الصراعات المعاصرة، لا تُعد الجغرافيا مجرد عامل ميداني، بل عنصرًا سابقًا على القرار ذاته. فالتضاريس الوعرة والعمق الجغرافي يعيدان تعريف معنى التقدم والانتصار.
وقد أشار فالي نصر إلى أن أي مواجهة مع إيران مرشحة للتحول إلى صراع طويل الأمد، نظرًا لطبيعة بنيتها الجغرافية والسياسية⁴.

حرب بلا إعلان

تشير التحليلات الراهنة إلى أن ما يجري لا يتجه نحو حرب شاملة، بل نحو نمط مختلف: حرب تُدار دون أن تُعلن، وتتصاعد دون أن تُحسم.
يرى مايكل نايتس أن نمط الضربات الحالية يعكس استراتيجية ضغط متدرّج تهدف إلى إضعاف القدرات دون دفع الصراع إلى نقطة الانفجار⁹، بينما يلفت بلال صعب إلى أن الهدف هو إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن التحكم بها¹⁰.
وفي السياق نفسه، تشير دينا سترول إلى أن المعضلة لا تكمن في القدرة على التصعيد، بل في القدرة على احتوائه بعد أن يبدأ¹¹.

التوازن الهش

تبدو إسرائيل داعمة لاستمرار الضغط، لكنها تدرك حدود التصعيد. وقد أشار عاموس هارئيل إلى أن المشكلة لا تكمن في بدء التصعيد، بل في السيطرة على نتائجه⁵، بينما يحذر يعقوب عميدرور من أن الحروب الكبرى لا تنتهي وفق نوايا من يبدأها⁶.

البعد العالمي للصراع

لا يمكن فهم أي مواجهة مع إيران بمعزل عن موقعها في النظام العالمي، خاصة ارتباطها بمضيق هرمز. وقد أشار كينيث بولاك إلى أن أي صراع واسع مع إيران سيتجاوز حدوده الإقليمية ليؤثر في التوازنات الدولية⁷، وهو ما يعززه تحليل علي فايز الذي يرى أن التصعيد قد يتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية عالمية¹².

منطق الردع وحدود التصعيد

رغم التصعيد، فإن مجموعة من العوامل تحدّ من احتمال الحرب البرية:
• الكلفة المرتفعة
• تعقيد البيئة العملياتية
• مخاطر التوسع الإقليمي
• توافر بدائل أقل كلفة
كما يرى سيث جونز أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بهدف الحسم، بل لإدارة المخاطر ومنع الخصم من تحقيق مكاسب حاسمة¹³، بينما يلفت توماس شيلينغ إلى أن التهديدات قد تخلق مسارات تصعيد يصعب التحكم فيها⁸.

الخطر الكامن

الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب نفسها، بل في استمرار الحديث عنها. فالتكرار لا يُبقي الخطاب في حدوده، بل يدفعه تدريجيًا نحو الواقع، حتى يصبح الاحتمال مسارًا.

الخلاصة

ما نشهده اليوم ليس غيابًا للحرب، بل تحوّلًا في شكلها. فالحروب لم تعد تُخاض من أجل النصر، بل تُدار من أجل التحكم في الخسارة، وتُؤجَّل لتجنّب كلفة الحسم.
(في عالمٍ تتراجع فيه قدرة الدول على الحسم، لا تكون أخطر الحروب تلك التي تبدأ، بل تلك التي تستمر دون نهاية.)

الهوامش (مُعرَّبة ومدقَّقة)

1. أندرو باسيفيتش، حرب أمريكا في الشرق الأوسط الكبير، نيويورك: راندوم هاوس، 2016.
2. ستيفن والت، جحيم النوايا الحسنة: النخبة الأمريكية وانحدار السياسة الخارجية، نيويورك: فارار، شتراوس وجيرو، 2018.
3. جون ميرشايمر، مأساة سياسات القوى العظمى، نيويورك: دبليو. دبليو. نورتون، 2001.
4. فالي نصر، الأمة القابلة للاستغناء: السياسة الأمريكية وتراجع الشرق الأوسط، نيويورك: دابلداي، 2013.
5. عاموس هارئيل، تحليلات عسكرية في صحيفة هآرتس حول مخاطر التصعيد.
6. يعقوب عميدرور، تقديرات الأمن القومي الإسرائيلي وتقارير مراكز أبحاث إسرائيلية
7. كينيث بولاك، اللغز الفارسي: الصراع بين إيران وأمريكا، نيويورك: راندوم هاوس، 2004.
8. توماس شيلينغ، السلاح والتأثير، نيو هافن: مطبعة جامعة ييل، 1966.
9. مايكل نايتس، تحليلات معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حول الضربات العسكرية في الشرق الأوسط، 2025–2026.
10. بلال صعب، تقديرات استراتيجية حول إدارة التصعيد مع إيران، مراكز أبحاث أمريكية، 2025–2026.
11. دينا سترول، تحليلات وتصريحات في مؤسسات الدفاع الأمريكية حول إدارة الأزمات العسكرية، 2025–2026.
12. علي فايز، مجموعة الأزمات الدولية، تحليلات حول تداعيات التصعيد مع إيران على الاقتصاد العالمي، 2025–2026.
13. سيث جونز، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تحليلات حول الحروب الحديثة وإدارة المخاطر، 2025–2026.

شارك المقال: