مقال بوك
خالد علي
خالد علي

حقوقي وسياسي مصري

خالد علي يكتب: عقاب على الفرح

خرج يسير بخطواتٍ حذرة، كمن لا يصدق أن الهواء ما زال يعرف اسمه، وأن السماء ما زالت تتسع لوجهه. ركب سيارة محاميه، يجاوره شقيقه ورفيق عمره وفريق دفاعه

مشاركة:
حجم الخط:

سيد مشاغب الفرحة المكسورة 

لم يكن خروجه مجرد عبورٍ من باب قسمٍ إلى شارع، بل كان عبورًا من أحد عشر عامًا من الغياب إلى لحظةٍ من الضوء.

أحد عشر عامًا تآكلت من العمر وسط جدرانٍ باردة، وبين أحكامٍ قضاها، وحبسٍ احتياطى امتدّ كليلٍ لا يريد أن ينتهى،

حتى صار الزمن نفسه سجينًا معه.

لم يكد يشتم رائحة الحرية حتى قتلوها 

خرج يسير بخطواتٍ حذرة، كمن لا يصدق أن الهواء ما زال يعرف اسمه، وأن السماء ما زالت تتسع لوجهه.

ركب سيارة محاميه، يجاوره شقيقه ورفيق عمره وفريق دفاعه، لم أجد في عيونه إلا الذهول والترقب،

وكأنه لا يصدق خروجه للحرية، ولم يملك إلا ابتسامه مترددة، وصمت يشبه لحظة ما قبل الدموع.

خالد علي يكتب: ألتراس الثورة حين غنّت المدرجات للحرية

خالد علي يكتب: كنيسة وجامع وطبيب جعلوا الميدان قلبًا واحدًا

خالد علي: الحكاية الأخيرة في حكايات ثورة يناير

خالد علي يكتب: رسالة إلى أحمد دومه

فرحة تلقائية تحولت لمأساة 

لكن المفاجأة كانت هناك عند أول شارعٍ يؤدى إلى البيت مئات الشباب ينتظرونه، أصواتهم ترتفع باسمه،

كأنهم يعيدونه إلى الحياة مرةً أخرى. لم يكن الأمر ترتيبًا، ولا دعوةً منشورة، بل كان فرحًا خرج من القلوب بلا إذن،

فرحًا عفويًا كضحكة طفلٍ بملابس العيد الزاهية.

كان المشهد أكبر من مجرد استقبال، كان محاولةً لرتق أحد عشر عامًا من الغياب بلحظة حبٍ واحدة.

الغياب الحاضر في قلب الفرح 

وفي قلب هذا الفرح، كان الغياب الأكبر حاضرًا، غياب الأب الذى جاب المحاكم والنيابات،

يدافع عن ابنه لا بصفته محاميًا فقط، بل بصفته قلبًا يمشى على قدمين.

رحل كمدًا قبل أن يرى هذه اللحظة، رحل قبل أن يسمع الهتاف الذى كان ينتظره، وقبل أن يرى ابنه يعود إلى البيت لا إلى الزنزانة.

كان الفرح يومها يشبه دمعةً متأخرة فى عينٍ أرهقها الانتظار، لكن…هناك من لا يحتمل الفرح،

هناك من يرى فى الضحكة جريمة، وفى الحشد العفوى خطرًا، وفى اسمٍ يُردد حبًا تهديدًا يجب إسكاته.

أنهم يعاقبون الفرحة 

لم يعجبهم المشهد، فقرروا أن يعاقبوا الفرح نفسه، لا لأنه خالف قانونًا، بل لأنه خرج بلا إذن،

ولأنه تجرأ أن يظهر فى شارعٍ من شوارع بولاق، حتى رآه الناس، ورآه رواد التواصل،

فخافوا من أن يمتدّ صداه إلى ما هو أبعد إلى استادٍ يهتز بالهتاف، إلى مباراةٍ يخشون أن تتحول من كرةٍ تُلعب إلى فرحةٍ تُعلن.

فكان القرار، بعد ثلاث ساعات من وصوله إلى البيت، أن يتم القبض عليه مرة أخرى،

ويعود إلى الحجز من جديد، لا لأن يدًا أخطأت، بل لأن قلبًا ابتسم.

سيد رمز  الفرح 

عقاب سيد اليوم ليس لأنه خالف القانون، بل لأنه فى لحظة وصوله لشوارع بولاق صار رمزًا لفرحٍ لم يستطيع عدو الفرح احتماله،

لأن الناس فرحوا له وبه، ولأن اسمه خرج من أفواه الشباب كأغنيةٍ قصيرةٍ فى زمنٍ طويلٍ من الصمت.

داخل سيارة المحامي كان عائدا لأهله وبيته ولكن!!
داخل سيارة المحامي كان عائدا لأهله وبيته ولكن!!

عدو الفرحة 

كم أنت تعيس يا عدو الفرح… تعيس لأنك تخاف من ضحكة، وترتعد من تجمعٍ عابر، وترى فى لحظة سعادة بداية خطر.

وكم أنت ضعيف لأنك تملك كل مظاهر القوة، ومع ذلك تخاف من مشهدٍ عفوى صنعه شبابٌ لا يملكون إلا قلوبهم وحناجرهم، وحبهم لتراب هذا الوطن.

لكن الفرح—مهما حاصرته— يعرف طريقه. ويومًا ما سيخرج من بين القضبان، وسيمشى فى الشوارع،

وسيصعد إلى الشرفات، وسيظل حيًا لم يفارقه النبض حتى فى أكثر الأماكن ظلمة، وفى أشد الأوقات قسوة.

سيد مشاغب يذكرنا بكل المظلومين 

الفرح بخروج سيد -قبل القبض عليه مرة أخرى- وحبسه من جديد- ليس لأنه خرج وحده،

بل لأن خروجه ذكّرنا أن خلف كل بابٍ مغلق حكايةً تنتظر الضوء، سنحزن كلما طال الانتظار،

وسنفرح بخروج كل من عشق الوطن حتى وإن كرهتموه، وكل من دفع ثمنًا من عمره لكى تبقى فى القلب مساحةٌ من الأمل.

ستعود الفرحة وستبتسم الوجوه 

فالفرح لا يُعاقَب طويلًا، ولا يُحبس إلى الأبد، سيرقص فى شوارعنا، وسنرسمه بكل الألوان على وجوهنا وملابسنا وجدران بيوتنا،

حتى تصير المدينة يومًا ما لوحةً كبيرةً من ضحكاتٍ لا تُنسى، كما كانت منذ عقدٍ ونصفٍ.

شارك المقال: