آراء و تحليلات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

تحليل سياسي: واشنطن بين “طبول الحرب” وقيود الدستور

الخطوة بدت للوهلة الأولى وكأنها محاولة لانتزاع قرار الحرب من البيت الأبيض وإعادته إلى المؤسسة التشريعية، لكنها في العمق تكشف عن معركة أعقد بكثير:

مشاركة:
حجم الخط:

مجلس الشيوخ يتحرك لكبح صلاحيات ترامب العسكرية ضد إيران 

في ذروة التصعيد العسكري والسياسي المحيط بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الصراع هذه المرة إلى قلب واشنطن نفسها، حيث فتح مجلس الشيوخ الأمريكي جبهة دستورية داخلية ضد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب العسكرية، عبر التصويت على مشروع قرار يستند إلى “قانون صلاحيات الحرب” لعام 1973، ويطالب بوقف أي عمل عسكري ضد إيران ما لم يحصل الرئيس على تفويض صريح من الكونغرس.

الخطوة بدت للوهلة الأولى وكأنها محاولة لانتزاع قرار الحرب من البيت الأبيض وإعادته إلى المؤسسة التشريعية، لكنها في العمق تكشف عن معركة أعقد بكثير:

معركة إرادات دستورية وسياسية بالتوازي مع معركة الأساطيل والحشود

أولاً: ما حقيقة القرار؟

تحرك تشريعي صحيح… لكن تأثيره معقد

القرار الذي صوّت عليه مجلس الشيوخ صحيح من حيث المبدأ الدستوري والتشريعي، إذ يستند إلى:

“قانون صلاحيات الحرب” (War Powers Resolution).

وهو القانون الذي أُقر بعد حرب فيتنام لتقييد قدرة الرؤساء الأمريكيين على خوض حروب مفتوحة دون العودة إلى الكونغرس.

وبموجب هذا الإطار، يطالب المشرعون الرئيس بوقف أي أعمال قتالية ضد إيران أو أي جزء من حكومتها أو قواتها، ما لم يحصل على:

تفويض رسمي باستخدام القوة العسكرية (AUMF).

 أو إعلان حرب دستوري صريح.

لكن المشكلة أن النص القانوني نفسه يترك للرئيس مساحات واسعة للمناورة، خصوصاً في أوقات الأزمات السريعة والحروب غير التقليدية.

ثانياً: “الفيتو الرئاسي”

السلاح الدستوري الأقوى في يد ترامب

رغم اللهجة القوية التي حملها تصويت مجلس الشيوخ، فإن الدستور الأمريكي يمنح الرئيس حق:

استخدام “الفيتو الرئاسي” (Veto).

وهو ما يعني أن ترامب يستطيع ببساطة تعطيل القرار ومنع دخوله حيّز التنفيذ.

أما كسر هذا الفيتو، فيتطلب:

* أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ.
* وأغلبية الثلثين في مجلس النواب.

وهو سيناريو بالغ الصعوبة في ظل الانقسام الحزبي الحالي داخل واشنطن.

لهذا يرى خبراء القانون الدستوري أن القرار:

أقرب إلى “رسالة سياسية عالية السقف”.

من كونه قيداً عملياً قادراً على شل التحركات العسكرية للرئيس.

د.أيمن خالد يكتب: هل أصبح العراق منصة للحرب القادمة على إيران؟

ثالثاً: ثغرة “الدفاع الوقائي عن النفس”

الباب الذي تعبر منه الإدارات الأمريكية دائماً

تكمن العقدة القانونية الأهم في أن:

* المادة الثانية من الدستور الأمريكي.
* وقانون صلاحيات الحرب نفسه.

يمنحان الرئيس صلاحية تنفيذ عمليات عسكرية عاجلة إذا اعتبر أن:

القوات الأمريكية أو المصالح الحيوية تواجه “تهديداً وشيكاً”.

وهذه هي الثغرة التي تستند إليها إدارة ترامب حالياً لتبرير:

* الجسور الجوية العسكرية القادمة من أوروبا.
* وحشود حاملات الطائرات.
* والتحركات الجوية والبحرية في الخليج.

فالبيت الأبيض يقدم كل ذلك باعتباره:

“إجراءات دفاعية وقائية”.

لحماية:

* القوات البحرية الأمريكية.
* والممرات الدولية.
* والحلفاء الإقليميين.

من أي تهديد محتمل من الحرس الثوري الإيراني.

وبالتالي، حتى لو مر القرار تشريعياً، فإن الإدارة تستطيع عملياً الالتفاف عليه باستخدام مفهوم:

“الدفاع الاستباقي”.

وهو المفهوم الذي استخدمته إدارات أمريكية متعاقبة في أزمات:

* العراق.
* وأفغانستان.
* وسوريا.
* واليوم إيران.

رابعاً: رسالة ضغط على ترامب

الكابيتول هيل يخشى “الحرب المفتوحة”

توقيت التصويت ليس عشوائياً.

فالقرار جاء بالتزامن مع:

* وصول الورقة الإيرانية المعدلة ذات البنود الـ14.
* واجتماعات مجلس الأمن القومي الأمريكي.
* والتصعيد العسكري في الخليج.
* والتسريبات حول خيارات الضربة المحتملة.

وهذا يعني أن جزءاً مهماً من المؤسسة التشريعية الأمريكية بات قلقاً من:

الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة.

قد تتحول إلى:

* استنزاف اقتصادي.
* وصدمة طاقة عالمية.
* وفوضى سياسية داخلية.

خصوصاً أن الانتخابات الأمريكية والضغوط الاقتصادية تجعل أي حرب طويلة الأمد مغامرة شديدة الحساسية داخل واشنطن.

ولهذا يحاول الكونغرس دفع ترامب نحو:

* إعطاء المسار التفاوضي فرصة أكبر.
* ودراسة المقترحات الإيرانية بجدية.
* وعدم تحويل الحشود العسكرية إلى حرب مفتوحة لا يمكن ضبط نتائجها.

خامساً: كيف سيوظف ترامب هذا الضغط؟

“التقييد الداخلي” كورقة تفاوض إضافية

المفارقة أن ترامب قد يستخدم هذا الضغط التشريعي نفسه كورقة تفاوضية ضد طهران.

فالرئيس الأمريكي يستطيع أن يقول للوسطاء:

“الوقت ينفد… والكونغرس يضغط… وعليكم قبول الشروط قبل أن تفرض المؤسسة العسكرية أمراً واقعاً”.

أي أن البيت الأبيض قد يحول:

* الجدل الدستوري.
* والانقسام السياسي الداخلي.

إلى:

أداة لرفع سقف الضغط النفسي والسياسي على إيران.

خصوصاً في ظل الاعتقاد داخل بعض دوائر الإدارة بأن:

* الحشود العسكرية.
* والعقوبات.
* والردع القسري.

بدأت بالفعل تؤتي ثمارها.

الخلاصة

معركة داخل واشنطن… بالتوازي مع معركة الخليج

ما يجري اليوم لا يقتصر على مواجهة بين أمريكا وإيران، بل يمتد إلى:

صراع عميق داخل النظام الأمريكي نفسه.

بين:

* مؤسسة تشريعية تخشى الحرب المفتوحة.
* ورئيس يرى أن القوة القصوى قد تنتج “الصفقة التاريخية” التي يريدها.

لكن عملياً، تبقى اليد الأقوى حتى الآن في البيت الأبيض، لأن:

* الفيتو الرئاسي حاضر.
* وثغرات “الدفاع الوقائي” واسعة.
* والحشود العسكرية قائمة بالفعل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل يستطيع الكونغرس تقييد ترامب؟

بل:
هل ما زال هناك وقت كافٍ للدبلوماسية قبل أن تتحول الحشود إلى نار فعلية في الخليج؟

شارك المقال: