الهدنة المفخخة
الغوص في النصوص ويتدبر في التحولات بحرص شديد تحسبا لفخاخها المزروعة في قلب النص، والتي ترجح تجدد الحرب بين حين وآخر، مالم ترى الولايات المتحدة أن في توقفها حاليا تحقيقا لمصالح أكبر

صورة تعبيرية للمقال
لا أحد يتمتع بأي صفة أنسانية حميدة مع أستمرار الحرب بكل تأكيد.
لكن التداعيات والمآلات التي بدت تلوح في الأفق وقد أنقشعت فجوة صغيرة من ضباب الحرب ودخانها المتصاعد وقد تشكلت في صورة هدنات قصيرة الأمد وإيقاف لأطلاق النار محدود الأجل تستدعي التأمل.
ولما كانت الهدنة الإيرانية – الأمريكية لم تسفر عن بوادر أتفاق بعد، فأن الهدنة “اللبنانية – الأسرائيلية” ومحادثات السلام بينهما تحتاج إلى وقفة وتفكر وحذر.
بالغوص في النصوص ويتدبر في التحولات بحرص شديد تحسبا لفخاخها المزروعة في قلب النص، والتي ترجح تجدد الحرب بين حين وآخر، مالم ترى القوة العالمية الأولى ( الولايات المتحدة الأمريكية) أن في توقفها حاليا تحقيقا لمصالح أكبر من مصالح حليفها المدلل – أسرائيل بالطبع.
او أنها تنقل الصراع إلى مرحلة جديدة لتجعله داخليا و “لبنانيا” صرفا بما يقلل التكلفة السياسية والبشرية والمادية و الدعائية لها كدولة ساعية للسلام.
وسط قوم من اللاعقلانيين يتقاتلون فيما بينهم وقد أغلقوا الآذان وعموا عن رؤية داعي السلام وهو يصنع السلام العاشر له في ولايته – كما يزعم ترامب –
يبدأ النص المفخخ للهدنة “،اللبنانية – الإسرائيلية” في ديباجته بالقول : “توصل لبنان وإسرائيل إلى تفاهم يعمل بموجبه كلا البلدين على تهيئة ظروف مؤاتية لإحلال سلام دائم بين الدولتين، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامته الإقليمية.
وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس”
بلغة أكثر وضوحا من اللغة الدبلوماسية المتماهية يمكننا ببساطة- ودون أي شائبة من سوء ظن – أن نفهم بوضوح أن تهيئة الظروف المؤاتية هي نزع سلاح “حزب الله”
وهو ما سيتضح أكثر كلما مضينا في قراءة الأتفاق، ثم ألا يتعارض “الأعتراف الكامل بالسيادة” مع خط الأحتلال الأصفر الذي خطته إسرائيل ونشرت جيشها على الأراضي” اللبنانية” فيه ؟
وهذا الاحتفاظ” بحق إسرائيل الأصيل في الدفاع مع النفس هل ينفي حق لبنان وحزب الله أيضا في هكذا دفاع ومقاومة المحتل.
ثم يمضي بنا البيان مسفرا بجلاء عن مضمونه الحقيقي المتواري خلف الاضواء الزاعقة
“ويقر كلا البلدين بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية جراء المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة والتي تقوض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي”
“كما يدرك كلا البلدين ضرورة كبح جماح أنشطة تلك المجموعات بحيث تكون القوات الوحيدة المخولة بحمل السلاح في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي”
إذن صار هدف نزع سلاح حزب الله ليس مشكلة وطنية داخلية ينبغي مناقشتها بين أطيافه.
لكنه صار تحديا جسيما لا للبنان فحسب ولكن لإسرائيل أيضا الأمر الذي يجعل ضرورة كبح جماح تلك الجماعات – حزب الله – ” هدفا مشتركا للبلدين.
بما يمكن تفسيره بأن الحكومة اللبنانية قد منحت الشرعية” لإسرائيل ” في حربها ضد جزء أصيل من شعبها – شاءت أم أبت – وتيار وازن في المعادلة اللبنانية وهو حزب الله وانصاره بالطبع.
فما المكاسب التي جنتها الحكومة اللبنانية من هكذا هدنة لمدة عشرة أيام من وقف أطلاق النار ؟
ينص البند الثاني من الاتفاق على أنه
” يجوز تمديد هذه الفترة الأولية بموجب اتفاق متبادل بين لبنان وإسرائيل.. شريطة إحراز تقدم ملموس في المفاوضات وبقدر ما يثبت لبنان فعلياً قدرته على بسط سيادته “
بمعنى آخر فأنه بحلول اليوم الحادي عشر يجب أن تنجح الحكومة اللبنانية في الأختبار ويكون هناك خطوات في نزع سلاح حزب الله والذي يرفضه الحزب سوي ضمن محددات وطنية ثابتة وحوار وطني شامل.
الفشل يعني اذا الجمود في المفاوضات والفشل وهو حتمي دون توافق داخلي وجيش قوي قادر على التنفيذ يعني انتهاء الهدنة فهل تستحق هذه الهدنة الهشة بشروطها المستحيلة كل تلك التنازلات والتعهدات ؟
محمد قدري حلاوة يكتب: ترامب عاريا تحت الأضواء
محمد قدري حلاوة يكتب: الولايات المتحدة والقتل بشعار الحرية
محمد قدري حلاوة يكتب: نواف سلام
الأجابة ربما تكمن في البند الثالث من الإتفاق :
” تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس.. في أي وقت.. ضد أي هجمات مُخطط لها أو وشيكة أو جارية ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق”
وفضلاً عن ذلك لن تقوم بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية —بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة— داخل الأراضي اللبنانية، سواء براً أو جواً أو بحرا “
الهدف حزب الله
من هو الطرف الذي يحق له تحديد وحسم انه كانت هناك هجمات مخططة، أو وشيكة، أو جارية من الذي بدأها ؟
الالفاظ الدبلوماسية الجزلة تعطي الحق المطلق لإسرائيل في مهاجمة حزب الله متى شاءت وأين شاءت وبأي حجة ترجحها .
لن يشن هجماته فقط ضد أهداف الدولة اللبنانية النص كأنه يقول للدولة اللبنانية فقط خلوا بيننا وبين حزب الله.
إذا خطط أو أوشك أو حتى أذا أضمر بالسوء النوايا حزب الله ليس مسموحا ومشرعا مهاجمته فحسب لكنه منزوعا من صفته اللبنانية، كذلك ليس جزءا من الدولة التى تعهدت أسرائيل بعدم مهاجمتها وربما حتى ليس فصيلا فيها.
المهم أنه وكما ينص الاتفاق
“اعتباراً من 16 أبريل / نيسان” الساعة الخامسة فصاعدا وبدعم دولي ستتخذ الحكومة اللبنانية خطوات ملموسة لمنع حزب الله وجميع المجموعات المسلحة المارقة الأخرى غير التابعة للدولة داخل الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية.
هل تستطيع” الحكومة اللبنانية تنفيذ التزامها ذلك ؟
وما هو الدعم الدولي” الذي سيمكنها من تنفيذ تلك المهمة ؟
الأتجاه للوفاء بتلك التعهدات دون توافق داخلي يعني عودة شبح الحرب الأهلية.
وهل يعتبر هذا الدعم الدولي المزعوم في شأن لبناني داخلي تدخلا خارجيا سافرا في شئون الدولة ( مثلما تكثر الدولة اللبنانية من الشكوى من التدخل الإيراني في شؤونها ؟)
أم أن هناك تدخلا حميدا وآخر مذموما
لم يغفل الأتفاق الذي أتي كبادرة حسن نية من جانب حكومة أسرائيل كما نص بنده الأول عن أن يختتم في بنده الخامس على الإقرار بأن:
“ولا يحق لأي دولة أو مجموعة أخرى أن تدعي أنها الضامن لسيادة لبنان”
في أشارة واضحة لأيران وحزب الله وكأن الحكومة اللبنانية ترى ان تصريحاتها الدائمة والمتكررة في هذا الشأن تدخل أيران وتغول حزب الله ربما يكتسب شرعية أكبر إذا أتى في ظل إعلان “لبناني – إسرائيلي مشترك وبرعاية أمريكية.
لذا لا يصح أن نصدق ترامب عندما يسوق لنا انه قال لإسرائيل كفى يعني كفى، وان نتنياهو في حالة صدمة جراء ذلك يكفي نرى الوقائع على الأرض، من أعمال قتل وتدمير وأغتيالات مستمرة وستستمر الأتفاق مع الحكومة اللبنانية شرع الأمر.
بالأمس قتلت إسرائيل مواطنا لبنانيا وأصابت آخرين لماذا ؟
صرح المتحدث بأسم الجيش الإسرائيلي عن السبب وأحفظوه جيدا قائلا :
“كانوا في مسار أرهابي وسنسمع الأيام القادمة عن حجج تفوق اللغة الأورويلية أزدواجا.
كلما مضت أسرائيل في أعمالها الحربية، بعد أن أثبتت حسن نيتها وأستجابت لنداء جوزيف عون سريعا دون أن تكلفه عناء الذهاب لآخر العالم بحثا عن سلام ربما لا تكفي فيه النوايا الحسنة( وربما السيئة أيضا) سيسفر الاتفاق عن وجهه الحقيقي أكثر فأكثر
ستنكشف وتتعري معه وجوه أخرى تختفي خلف دعاوي عريضة تكثر من ترديد عبارات الوطن والسلام والسيادة، وكلما زادت الدعاوي وكثر ترديدها فعلينا الا نحلق معها في فضاءتها الآثيرية الفسيحة.
يتوجب حينها فقط أن نثقل خطواتنا على الأرض نرصد الواقع نقرأ النصوص والوثائق مع الحرص كل الحرص من فخاخها المتفجرة.





