مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

الإمارات: حين يتحول النفوذ إلى مشروع لإعادة تشكيل المنطقة

وجدت في الإمارات شريكاً يمتلك أدوات مختلفة عن الأدوات الإسرائيلية التقليدية. فالإمارات لا تقدم فقط علاقة سياسية، بل تقدم شبكة اقتصادية واستثمارية

مشاركة:
حجم الخط:

خاص آخر الكلام

لم تعد الدول تُقاس في النظام الإقليمي الجديد بحجمها الجغرافي أو بعدد سكانها فقط، بل بقدرتها على بناء شبكات تأثير تتجاوز حدودها. فالدولة التي تمتلك المال، والإعلام، والعلاقات الأمنية، والقدرة على صناعة الشراكات، يمكنها أن تتحول من لاعب محدود في الجغرافيا إلى لاعب مؤثر في هندسة السياسة.

ومن هذه الزاوية تحديداً يجب قراءة التجربة الإماراتية خلال العقد الأخير. فالإمارات لم تعد تتحرك باعتبارها دولة خليجية تبحث فقط عن حماية مصالحها، بل باعتبارها مشروع نفوذ إقليمي يسعى إلى إعادة تعريف موقعها ودورها في المنطقة. وهذا النفوذ لم يُبنَ على القوة العسكرية التقليدية، بل على منظومة أكثر تعقيداً، تجمع بين الاستثمار الاقتصادي، والتأثير الإعلامي، وبناء العلاقات مع النخب، وتوسيع الشراكات الأمنية والسياسية.

لكن نقطة التحول الأساسية جاءت مع انتقال العلاقة الإماراتية الإسرائيلية من مستوى الاتصالات غير المعلنة إلى مستوى الشراكة المفتوحة بعد اتفاقات أبراهام. فالأمر لم يكن مجرد انتقال دبلوماسي بين دولتين، بل كان تعبيراً عن تحول أوسع في رؤية بعض القوى الإقليمية لطبيعة النظام العربي ومستقبل الصراع في المنطقة.

فإسرائيل، التي ظلت لعقود تواجه صعوبة في اختراق البيئة العربية بسبب مركزية القضية الفلسطينية، وجدت في الإمارات شريكاً يمتلك أدوات مختلفة عن الأدوات الإسرائيلية التقليدية. فالإمارات لا تقدم فقط علاقة سياسية، بل تقدم شبكة اقتصادية واستثمارية وإعلامية قادرة على الوصول إلى مساحات لا تستطيع إسرائيل الوصول إليها بسهولة.

وفي المقابل، وجدت الإمارات في الشراكة مع إسرائيل فرصة لتعزيز موقعها كقوة إقليمية تتجاوز حجمها الطبيعي. فالتكنولوجيا الإسرائيلية، والدعم السياسي الغربي، والتعاون الأمني، كلها عناصر تمنح أبوظبي قدرة أكبر على الحركة في بيئة إقليمية شديدة التنافس.

معتز منصور يكتب: ماذا يعني أن توقّع السلطة اتفاقًا يشرعن بقاء الاحتلال؟

معتز منصور يكتب: أحلام عون

لكن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بالعلاقة الإماراتية الإسرائيلية في حد ذاتها، بل بامتداد تأثير هذا النموذج إلى الدول العربية الكبرى، وفي مقدمتها مصر.

فمصر ليست مجرد دولة في الإقليم، بل هي مركز الثقل التاريخي والثقافي للعالم العربي. تأثيرها لا يأتي فقط من حجمها السكاني، بل من قدرتها على إنتاج الخطاب السياسي والثقافي، ومن موقعها في صياغة الوعي العربي لعقود طويلة. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة تشكيل المنطقة لا يمكن أن يتجاهل القاهرة.

ومن هنا يصبح النفوذ الإماراتي في مصر قضية تتجاوز حجم الاستثمارات أو طبيعة العلاقات الاقتصادية. فحين يمتد الحضور إلى قطاعات مرتبطة بتشكيل المجال العام، مثل الإعلام، والرياضة، والترفيه، والثقافة، فإن السؤال لا يعود فقط: كم حجم الاستثمار؟ بل يصبح: ما طبيعة النفوذ الذي ينتج عن هذا الاستثمار؟

فالمال في السياسة الحديثة لم يعد مجرد وسيلة للربح، بل أصبح أداة لإنتاج النفوذ. والاستثمار في المجالات التي تصنع الوعي لا يقل أهمية عن الاستثمار في القطاعات الاقتصادية التقليدية، لأن السيطرة على البنية التحتية للخطاب قد تكون أكثر تأثيراً من السيطرة على المؤسسات نفسها.

وهنا تظهر القضية الفلسطينية باعتبارها الاختبار الأكثر وضوحاً. فالمشكلة بالنسبة للمشروع الإسرائيلي في المنطقة لم تكن فقط في غياب العلاقات الرسمية، بل في استمرار وجود قضية مركزية تمنع تحول إسرائيل إلى طرف طبيعي داخل النظام العربي.

ولهذا فإن إعادة ترتيب مكانة فلسطين في الوعي العربي تصبح جزءاً من معركة أكبر حول شكل المنطقة المقبلة. فكلما تراجعت القضية الفلسطينية من موقعها المركزي، أصبح دمج إسرائيل في الترتيبات الإقليمية أكثر سهولة.

وهنا لا يتعلق الأمر بمنع النقد السياسي لأي فصيل فلسطيني أو مراجعة أي تجربة، فهذا حق مشروع، بل يتعلق بتحول أوسع يتمثل في نقل القضية من كونها قضية تحرر واحتلال إلى مجرد ملف إنساني أو أمني يمكن إدارته ضمن ترتيبات جديدة.

وهذا هو جوهر الاعتراض على النموذج الإماراتي، ليس باعتبار الإمارات دولة تسعى إلى مصالحها، فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بل باعتبارها اختارت أن تلعب دوراً يتجاوز الدفاع عن مصالحها إلى المشاركة في إعادة صياغة البيئة الإقليمية نفسها.

فالنفوذ لا يصبح مشكلة لأنه موجود، بل عندما يتحول إلى أداة لإعادة تعريف مصالح الآخرين. والدول لا تفقد استقلالها فقط عندما تخضع لاحتلال مباشر، بل أيضاً عندما تصبح قادرة على اتخاذ القرار شكلياً، بينما تُعاد صياغة خياراتها من خلال شبكات المال والتحالفات والتأثير.

وفي الحالة المصرية تحديداً، يبقى السؤال مفتوحاً حول حدود العلاقة بين الحاجة الاقتصادية والاستقلال السياسي. فالقاهرة تدرك أهمية العلاقات الخليجية والاستثمارات الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الحفاظ على مكانتها الإقليمية يتطلب عدم السماح لأي طرف، مهما كانت قدراته المالية، بتحويل الشراكة إلى وصاية.

لذلك فإن القضية الأعمق ليست الإمارات وحدها، بل نموذج جديد من النفوذ العربي الداخلي، حيث لا تأتي الهيمنة بالضرورة عبر الجيوش، بل عبر رأس المال، والإعلام، وإعادة تشكيل النخب، وصناعة سرديات جديدة للمنطقة.

لقد تغيرت طبيعة الصراع. لم يعد الصراع فقط حول الأرض والحدود، بل حول من يملك القدرة على تعريف الأولويات، ومن يحدد شكل المستقبل. وفي هذا الصراع أصبحت الإمارات نموذجاً مركزياً لدراسة كيف يمكن لدولة صغيرة جغرافياً أن تتحول إلى قوة مؤثرة، ليس فقط عبر ما تملكه، بل عبر قدرتها على التأثير فيما يملكه الآخرون.

لقد لم يعد النفوذ في الإقليم يُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها أو امتلاك أدوات الردع التقليدية، بل بقدرتها على التأثير في تعريف القضايا نفسها، وتحديد ما يصبح أولوية وما يتم تهميشه، وما يتحول من قضية سياسية كبرى إلى ملف قابل للإدارة.

ومن هنا تكمن أهمية النموذج الإماراتي، ليس فقط في حجم حضوره الإقليمي، بل في الطريقة التي يمارس بها هذا الحضور. فالمعركة الحقيقية لم تعد بين دول تملك القوة ودول تفتقدها، بل بين نماذج مختلفة لصناعة القرار: نموذج يستند إلى الثقل التاريخي والاجتماعي للدول، ونموذج آخر يستند إلى القدرة على بناء شبكات عابرة للحدود تتجاوز الجغرافيا وتعيد توزيع مراكز التأثير.

وفي هذه المعادلة تصبح الدول الكبرى، مثل مصر، أمام اختبار أكثر تعقيداً من مجرد إدارة علاقاتها الخارجية. فالتحدي لا يكمن في استقبال الاستثمارات أو بناء الشراكات، بل في الحفاظ على القدرة على تحديد الاتجاه، بحيث تبقى الشراكة أداة لتعزيز الدولة لا مدخلاً لإعادة تعريف أولوياتها من خارجها.

فالمسألة في جوهرها ليست صراعاً بين دول، بل صراع حول من يمتلك حق صياغة مستقبل المنطقة. ومن يملك المال قد يشتري النفوذ، لكنه لا يستطيع وحده صناعة الشرعية التاريخية. ومن يملك التاريخ قد يحتفظ بالمكانة، لكنه يحتاج إلى أدوات جديدة لحماية استقلال قراره.

وهنا يصبح السؤال الأعمق: هل ستبقى المنطقة قادرة على إنتاج توازن يحفظ تعدد مراكز القوة، أم أنها تتجه نحو مرحلة يصبح فيها النفوذ المالي والتحالفات الأمنية بديلاً عن الإرادة السياسية المستقلة؟

لأن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تجعل الآخرين يعيدون تعريف مصالحهم وفق قواعد لم يشاركوا في صياغتها.

شارك المقال: