مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (25) : مقام العبور المسحور

في العرف الصوفي لا يُقطع الطريق بالأقدام لكنه يقطع بالقلوب، والسفر ليس انتقالًا في المساحات بقدر ما هو انخلاعًا من الرسوم والقيود؛ فالطريق عند السالك هو "حال" يتقلّب فيه،

مشاركة:
حجم الخط:

الطريق بين كشف الصوفي وخيال الواقعية السحرية

في العرف الصوفي لا يُقطع الطريق بالأقدام لكنه يقطع بالقلوب، والسفر ليس انتقالًا في المساحات بقدر ما هو انخلاعًا من الرسوم والقيود؛ فالطريق عند السالك هو “حال” يتقلّب فيه، وليس “مسافة” يطويها.

وحين تتقاطع هذه الرؤية مع تيار “الواقعية السحرية” في الأدب المعاصر، نجد أن “السكة” تتحول من ممر جغرافي مألوف إلى فضاء برزخي تتداخل فيه العوالم.

هنا، لا تعود المعجزات أو الخوارق أحداثًا استثنائية، لكنها تصبح جزءًا من تراب الطريق وهواء الحكاية، تمامًا كما يرى الصوفي أن “الكرامة” هي ثمرة طبيعية لصدق السير.

عوالم غابريل مارسيل 

يتجلى هذا المقام بأقصى طاقته في عوالم غابرييل غارسيا ماركيز؛ ففي رحلة البحث عن “ماكوندو”، لا يقطع “خوسيه أركاديو بوينديا” غابة مادية فحسب، بل يقطع غابة من الرموز والزمن الدائري.

في العرف الصوفي لا يُقطع الطريق بالأقدام لكنه يقطع بالقلوب، والسفر ليس انتقالًا في المساحات بقدر ما هو انخلاعًا من الرسوم والقيود؛ فالطريق عند السالك هو “حال” يتقلّب فيه،

في الواقعية السحرية، يصبح الطريق هو المختبر الذي يستحيل فيه العادي خارقًا، حيث ترتفع الأجساد نحو السماء أو تهطل الأمطار لأعوام، لا بوصفها أساطير بعيدة، بل بوصفها حقائق يراها السالك في “سكة” وجوده اليومي.

سرديات سليم بركات 

في الأدب العربي المعاصر، نجد هذا المقام ينبض في سرديات سليم بركات؛ حيث تتحول الجغرافيا الكردية بجبالها ووديانها إلى فضاء صوفي مسحور.

الطريق عند بركات ليس درباً بين قريتين، بل هو مسار كوني تتكلم فيه الحيوانات وتتحرك فيه الجبال ويصبح للغة مخالب وأجنحة. بركات يمارس “الجمع بين الضدين”؛ فهو يكتب واقعية قاسية ومادية جداً، لكنه يضخ فيها روحاً صوفية تجعل من كل خطوة على الأرض سفراً في الملكوت.

السكة عنده هي “اللغة” ذاتها؛ فبقدر ما يتوغل الكاتب في شعاب الحرف، بقدر ما تتكشف له غرائب الوجود. هذا التداخل يجعل من النص “حضرة” جمالية يغيب فيها الفارق بين الوهم والحقيقة.

السكة الصوفية والواقعية السحرية 

​أن الربط بين “السكة الصوفية” و”الواقعية السحرية” يكمن في فكرة “تحطيم اليقين الحسي”.

الكاتب الذي يسلك هذا المقام يدرك أن الحقيقة أوسع من أن يحدها العقل التبريري؛ لذا فهو يجعل من الطريق فضاءً لـ “التجلي”.

في هذا السرد، لا يحتاج البطل إلى بساط ريح ليطير، بل يكفيه أن يبلغ صفاءً وجدانياً معيناً لتتغير قوانين الطبيعة من حوله.

الكتابة هنا هي فعل “سلوك” يحرر الأشياء من ثقلها المادي، ويمنح الكلمات طاقة “الإشارة” الصوفية التي توحي بأكثر مما تقول.

الألفة مع الغرابة 

منهج الكتابة في هذا المقام يقتضي بناء عالم يتسم بـ “الألفة مع الغرابة”؛ أي أن تُقدم الأحداث المسحورة بلهجة رصينة وهادئة، كأنها من بديهيات الحياة. الكاتب الرائي هنا لا يندهش مما يكتب، بل يترك الدهشة للقارئ الذي سيكتشف أن “السكة” التي يسير فيها هي مرآة لداخله المضطرب والجميل. المنهج يعتمد على “تجسيد المجرد”؛ فالحزن قد يصبح غيمة سوداء تمطر فوق رأس صاحبه وحده، والوجد قد يتحول إلى ريح تحمل الرائي إلى أزمنة غابرة.

​عزيزي المبدع،

إن مقام العبور المسحور هو مقام “الولاية الإبداعية”؛ حيث يصبح قلمك هو “عصا الموسى” التي تضرب بها بحر اللغة فينفلق عن معانٍ بكر.

اجعل من “السكة” في نصوصك طريقاً لا ينتهي بالوصول، بل طريقاً يجد فيه السالك لذته في “السير” ذاته، وفي تلك الومضات السحرية التي تبرق له بين حين وآخر لتؤكد له أن العالم أكبر مما يرى، وأن الحقيقة أبهى مما يظن.

إن النص الذي يزاوج بين الصوفية والواقعية السحرية هو النص الذي يستطيع أن يمنح الإنسان المعاصر “دهشة اليقين” في عصر مادي جاف.

شارك المقال: