مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

كابول وإسلام آباد حدود على حافة النار

التباين في رواية الخسائر بين إسلام آباد وكابول ليس تفصيلا إعلاميا، بل هو محور الصراع على الشرعية. باكستان تصف الضربات بأنها استهدفت مسلحين وحققت نتائج نوعي

مشاركة:
حجم الخط:

التصعيد الأخير بين أفغانستان وباكستان لا يمكن التعامل معه كحادثة حدودية عابرة، بل هو تعبير عن أزمة عميقة في طبيعة العلاقة بين سلطة كابول التي تقودها حركة طالبان، والدولة الباكستانية التي وجدت نفسها بعد عام 2021 أمام واقع استراتيجي لم تكن تتوقعه. الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو الباكستاني داخل الأراضي الأفغانية، وما تبعها من إعلان طالبان بدء هجمات مكثفة على مواقع باكستانية، يكشف أن الطرفين انتقلا من مرحلة الرسائل الأمنية المحدودة إلى مرحلة كسر قواعد الاشتباك الضمني.

التباين في رواية الخسائر بين إسلام آباد وكابول ليس تفصيلا إعلاميا، بل هو محور الصراع على الشرعية. باكستان تصف الضربات بأنها استهدفت مسلحين وحققت نتائج نوعية، بينما تؤكد طالبان سقوط مدنيين وتبني خطابا يقوم على الدفاع عن السيادة والثأر لدماء الأبرياء. حين تتحول العملية العسكرية إلى قضية كرامة وسيادة، يصبح التراجع أكثر كلفة من التصعيد. هذا ما يفسر نبرة ذبيح الله مجاهد عن انتقام مركب ومدروس يركز على الجيش وقوات الأمن الباكستانية.

ما جرى داخل باكستان في الأيام التالية يشي بأن المواجهة لم تبق على خط الحدود. هجمات انتحارية، كمائن، استهداف وحدات خاصة، استخدام طائرات مسيّرة بدائية لإلقاء قنابل، ثم استهداف سيارة إسعاف وتصفيـة جرحى. هذا النمط المركب من العمليات يحمل رسالة واضحة، العمق الباكستاني ليس بعيدا عن متناول الرد. والأكثر دلالة أن بعض المناطق التي شهدت الهجمات كانت قد أُعلن سابقا أنها خضعت لعمليات تنظيف كاملة. عودة العنف إليها تعني أن السيطرة الأمنية كانت ظرفية، وأن البيئة القبلية والاجتماعية ما زالت قابلة للاشتعال.

الرهان على التفوق الجوي لإخضاع طالبان يعكس قراءة ناقصة لتجربة العقدين الماضيين. الحركة خاضت حربا طويلة ضد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وتمكنت رغم الفارق الهائل في القدرات من الصمود وإعادة التموضع حتى استعادت السلطة في كابول عام 2021 بعد اتفاق الدوحة. هذا التاريخ القريب يجعل الاعتقاد بأن ضربات جوية محدودة ستكسر إرادتها افتراضا متعجلا. التفوق التقني لا يحسم صراعا حين يكون الخصم متجذرا اجتماعيا وقادرا على التحرك في بيئة قبلية عابرة للحدود.

الحديث في بعض الأوساط الباكستانية عن احتمال توغل بري داخل أفغانستان يكشف حجم المأزق. أي عملية برية لن تكون مواجهة مع خلايا متناثرة، بل احتكاكا مباشرا مع سلطة قائمة. كما أن التداخل القبلي على جانبي خط دوراند يجعل الفصل بين الداخل والخارج مسألة نظرية. كثير من مقاتلي طالبان الباكستانية يتحركون ضمن شبكات عائلية واجتماعية ممتدة، وهو ما يفسر وصول العمليات إلى مدن بعيدة عن الشريط الحدودي. في مثل هذه البيئة، يتحول أي ضغط عسكري إلى عامل تعبئة إضافي.

خطاب طالبان عن انتقام محسوب دون استعجال يعكس محاولة لإدارة التصعيد لا تفجيره دفعة واحدة. التركيز على استهداف الجيش والأمن يهدف إلى رفع الكلفة السياسية على المؤسسة العسكرية الباكستانية، وإظهار أن الغارات لن تمر بلا ثمن. في المقابل، تجد إسلام آباد نفسها بين خيارين كلاهما صعب، إما التصعيد بما يحمله من مخاطر توسع المواجهة، أو القبول بتآكل الردع وما يعنيه ذلك داخليا.

اللافت أن بعض الأصوات الباكستانية بدأت تطرح فكرة العودة إلى الحوار مع طالبان الباكستانية، وهو اعتراف ضمني بأن المقاربة الأمنية الخالصة لم تحقق استقرارا مستداما في المناطق القبلية. غير أن التفاوض يعني تقديم تنازلات سياسية، وربما إعادة النظر في شكل الوجود العسكري والإداري هناك، وهو أمر شديد الحساسية في الداخل الباكستاني.

في الخلفية الإقليمية الأوسع، أي تصعيد غير مضبوط بين كابول وإسلام آباد ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الثنائية. استقرار باكستان يرتبط بمشاريع اقتصادية كبرى وبحسابات إقليمية معقدة، وأفغانستان تسعى إلى تثبيت شرعيتها الدولية في ظل عزلة سياسية. استمرار العمليات عبر الحدود سيعزز صورة أفغانستان كمنصة توتر، وسيضع باكستان أمام اختبار طويل الأمد لقدرتها على إدارة صراع منخفض الحدة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

المشهد في جوهره صراع إرادات أكثر منه صراع قدرات. باكستان تحاول إعادة فرض معادلة ردع جوية، وطالبان تسعى إلى تحويل العمق الباكستاني إلى مساحة ضغط مضاد. إذا استمر منطق الفعل ورد الفعل دون قناة سياسية موثوقة، فإن الحدود مرشحة لأن تتحول إلى جبهة مزمنة. الخطر الحقيقي لا يكمن في ضربة هنا أو هجوم هناك، بل في ترسيخ دورة عنف تصبح جزءا من الواقع اليومي، وعندها يصعب على أي طرف الادعاء بأنه يملك زمام المبادرة.

شارك المقال: