علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
مني شماخ
مني شماخ

أعلامية وكاتبة روائية

منى شماخ تكتب: عندما يفقد الميزان توازنه

فيتقدم الأكثر امتثالًا لا الأكثر إبداعًا، ويصبح المجتمع بارعًا في تدوير ما عنده، عاجزًا عن إنتاج ما ينقصه. وهنا تكتمل الدائرة المغلقة:

مشاركة:
حجم الخط:

ما الذي يفتح الأبواب في المجتمع؟ ما تعرفه أم من تعرفه؟ إجابة هذا السؤال وحدها تكشف إلى أين يتجه المجتمع ، فحين يصبح الولاء معيارًا للنجاح، وتتراجع الكفاءة أمام أهل الثقة والمقرّبين، يختل الميزان، وتبدأ خسارة المجتمع لخبراته وطاقاته.

استقامة المجتمع لا تتحقق إلا بقواعد عادلة تضمن لكل إنسان أن يُقدَّر جهده ويُصان حقه، وأن يخضع الجميع للمحاسبة، مهما اختلفت مواقعهم ومكانتهم.

من “حالة فردية” إلى قاعدة

يبدو الأمر في البداية ظلمًا يقع على شخص، أو قرارًا غير منصف في مؤسسة أو موقع عمل، ويُبرَّر بأنه “حالة فردية”. لكن الظلم الفردي، على مرارته، ليس الخطر الحقيقي.

الخطر أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة.

فتكرار هذه الممارسات يحوّلها من خطأ عابر إلى ثقافة تعيد تشكيل القيم، فتختل معايير الحكم على الأفعال، ولا يعود الاستحقاق أساسًا للتقدير، ولا الخطأ سببًا للمحاسبة.

كل ترقية وكل تعيين وكل منحة تقول للجميع: هذا ما يستحق أن تستثمر فيه عمرك. فإذا نجح المجتهد، تعلّم الجميع أن الاجتهاد يؤتي ثماره.

وإذا نجح صاحب “السند” تعلّموا أن أفضل استثمار هو علاقة نافعة لا مهارة نادرة.

هنا يبدأ التحول الصامت. يكفّ الناس عن سؤال “كيف أصبح أفضل؟”

تتبدل وجهة الجهد: من سؤال “كيف أُتقن عملي؟” إلى : “كيف أُرضي من بيدهم القرار؟”، فيصبح كسب الرضا هو الهدف، وتهدر قيمة العمل الحقيقي .

عندها ينسحب أصحاب الكفاءة من المشهد، إذ يكتشفون أن التقدير لا يتوقف على ما يبذلونه من جهد أو يمتلكونه من علم ومهارة، بل على اعتبارات لا صلة لها بالاستحقاق.

والأخطر أن الأقل قدرة، حين يتمكن،  لا يكتفي بالبقاء، بل يدافع عن موقعه بتطويع القواعد لتحميه، وإعادة ترتيب المنظومة بحيث لا يبقى إلا من يشبهه، فالمدير الذي وصل بالواسطة لن يعيّن من يكشف ضعفه، بل من يطمئن إلى ولائه.

وهكذا تُنتج كل طبقة من القيادة الطبقة التي تليها بمقاس أصغر، كمن ينسخ صورة عن صورة حتى تفقد ملامحها.

حين يمتد الأثر إلى الجميع

لا تبقى آثار هذا الخلل محصورة فيمن يتعرضون للظلم، بل تمتد إلى المجتمع كله.

فحين يُهمَّش أصحاب الكفاءات ويتقدم الأقل استحقاقًا، يفقد الجميع ثقتهم في عدالة المعايير التي تحكمهم.

وعندها يصعب انتظار العطاء ممن يرون أن كفاءتهم لا تضمن حقوقهم، وأن الفرص لا تُمنح لمن يستحقها، فتتراجع جودة العمل وتزداد الأخطاء.

ومع استمرار الممارسات نفسها يصبح الإصلاح أصعب، لأن الظلم لم يعد مرتبطًا بقرار خاطئ أو مسؤول أساء استخدام سلطته، بل بمعايير تسمح باستمراره.

مجتمع لا يجرؤ على الجديد

الابتكار مغامرة، والمغامرة تحتاج بيئة تكافئ من ينجح ولا تعاقب من يخطئ بنية صادقة.

أما في منظومة تُدار بالولاء فالجديد تهديد:

الفكرة الجريئة قد تُحرج صاحب الكرسي، والسؤال الذكي قد يُفهم تمرّدًا.

فيتقدم الأكثر امتثالًا لا الأكثر إبداعًا، ويصبح المجتمع بارعًا في تدوير ما عنده، عاجزًا عن إنتاج ما ينقصه.
وهنا تكتمل الدائرة المغلقة:

فشل يفرز اختيارات أضعف، واختيارات أضعف تنتج فشلًا أكبر، ولا أحد في موقع يسمح له بكسر الحلقة، لأن من في موقع القرار هم أنفسهم نتاجها.

الانهيار البطيء

المجتمعات لا تسقط عادةً بضربة واحدة، بل بتآكل هادئ لا يُسمع له صوت: مستشفى يتراجع أداؤه، ومدرسة تفقد روحها، ومؤسسة تتقن كل شيء إلا الإنجاز.

ولا ينتبه أحد إلى أن العمود الأول تصدّع منذ زمن، يوم قرر المجتمع أن المقعد لا يُمنح لمن يستحقه.
فالمجتمع الذي يعاقب المجتهد ويكافئ المسيء يقوّض الأسس التي تحفظ حقوق أفراده وتنظّم علاقاتهم.

وحين يختل ميزان العدل نفقد القيم التي لا يستطيع أي مجتمع أن يستمر بدونها، ويصبح الفشل نتيجة طبيعية لمجتمع يُهدر فيه الجهد وتُعطَّل فيه الكفاءات.

شارك المقال:

شاركنا برأيك