علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

الشرق الأوسط بعد تقليص القوات الأمريكية.. توازن إقليمي أم فراغ استراتيجي؟

يرى ليون هدار أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لا يؤدي بالضرورة إلى فراغ استراتيجي. ويدعو إلى انسحاب تدريجي يحافظ على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، مع تحمل دول المنطقة مسؤولية أمنها.

مشاركة:
حجم الخط:

دعا الكاتب ليون هدار إلى تقليص تدريجي للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط،

معتبرًا أن المخاوف من «فراغ» تملؤه إيران أو الصين أو روسيا مبالغ فيها. وفي مقال نشرته «ناشونال إنترست»،

رأى أن دول المنطقة تستطيع إدارة توازناتها، مع استمرار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع واشنطن.

طرح الكاتب دعوة إلى إعادة النظر في مبررات الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

ورفض اعتبار تقليص القوات مقدمة حتمية للفوضى أو لهيمنة قوى منافسة.

ونُشر المقال الأصلي بعنوان «مصيدة الفراغ الزائف في الشرق الأوسط» في 1 أكتوبر 2026.

وتتمثل أطروحته في أن الانسحاب التدريجي قد يدفع دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أمنها والتفاوض مباشرة،

بدل الاعتماد على واشنطن.

«الفراغ».. حجة لاستمرار التدخل

يرى هدار أن كل مقترح لتقليص الحضور العسكري الأمريكي خلال ثلاثة عقود واجه التحذير نفسه:

انسحاب واشنطن سيتيح تمدد إيران، وإعادة تنظيم الجماعات الجهادية، وتوسع النفوذ الصيني والروسي.

ويعتبر أن هذه الصورة أسهمت في إطالة التورط الأمريكي أكثر مما فعلت الحجج المرتبطة

بالمصالح الوطنية الفعلية للولايات المتحدة.

وفي تصوره، لا يمثل الشرق الأوسط مساحة خالية تنتظر قوة خارجية. بل يضم دولًا طموحة ومسلحة،

تتنافس وتشكّ بعضها في بعض، ولها تاريخ طويل في إدارة صراعاتها قبل وصول حاملات الطائرات الأمريكية.

ويستهل الكاتب حجته بالإشارة إلى ما يصفه بمغادرة آخر القوات الأمريكية للعراق،

وإجلاءات مؤقتة من قواعد في الخليج. ويستخدم هذا السياق للدعوة إلى مراجعة مفهوم «الفراغ»،

دون أن تكون هذه الإشارة وحدها توثيقًا مستقلًا لنهاية جميع أشكال الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

العراق وليبيا في نقد السياسة الأمريكية

يستشهد هدار بغزو العراق عام 2003، ويرى أنه أزال الدولة العربية التي كانت توازن إيران،

وفتح المجال أمام امتداد نفوذ طهران من بغداد إلى بيروت.

كما يربط التدخل في ليبيا عام 2011 بانهيار مؤسسات الدولة وانتشار تجارة السلاح في منطقة الساحل.

ويذهب أبعد من ذلك في تقييم عمليات مكافحة الإرهاب، إذ يعتبر أن عقدين منها أنتجا أعدادًا من المتمردين توازي ما قضت عليه.

وهذا تقييم يطرحه الكاتب ضمن حجته، ولا يقدم النص المرفق بيانات تفصيلية تثبت هذه المقارنة.

ومن خلال هذه الأمثلة، يجادل بأن القوة الأمريكية لم تكن دائمًا عامل استقرار، بل ساهمت أحيانًا في اختلال التوازنات الإقليمية.

كيف تؤثر الضمانات الأمنية في سلوك الحلفاء؟

يناقش المقال ما يسميه «المخاطر الأخلاقية»، أي احتمال أن تتخذ الأطراف المحلية

قرارات أكثر مجازفة عندما تتوقع حماية قوة عظمى من تبعاتها.

وفي هذا الإطار، يرى هدار أن السعودية والإمارات خاضتا حرب اليمن بافتراض

استمرار الإمدادات الأمريكية بالذخائر، وتحمل واشنطن الكلفة الدبلوماسية.

كذلك، يعتبر أن اعتماد الحكومات الإسرائيلية على حق النقض الأمريكي في الأمم المتحدة

سمح لها بتأجيل قرارات صعبة تتعلق بالفلسطينيين.

وبناءً على ذلك، يتوقع أن يدفع تقليص الضمانات الأمريكية دول المنطقة إلى التعامل المباشر مع خلافاتها،

بدل محاولة استمالة واشنطن إلى جانبها.

التقارب السعودي الإيراني نموذجًا

يستشهد الكاتب بهجمات منشآت بقيق النفطية عام 2019. ويرى أن السعودية،

عندما أدركت أن الولايات المتحدة لن تخوض حربًا بالنيابة عنها، اتجهت إلى الحوار مع إيران.

وقد استأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية عام 2023. ويستخدم هدار هذا التطور

مثالًا على قدرة القوى الإقليمية على تعديل سياساتها عندما تتراجع توقعاتها بشأن الحماية الأمريكية.

وفي قراءته لاتفاقيات أبراهام، يمنح الحسابات العربية وزنًا أكبر من الوساطة الأمريكية.

فهو يرى أن الدول المعنية اعتبرت إسرائيل شريكًا مفيدًا في مواجهة إيران، ومدخلًا لتعزيز علاقاتها بواشنطن.

ويضع تحركات تركيا ودول الخليج ومصر وإسرائيل ضمن الاتجاه نفسه:

تنويع العلاقات وإعادة ضبط المواقف استعدادًا لاحتمال غياب الدعم الخارجي الدائم.

النفط.. هل يبرر الانتشار العسكري؟

ينتقل هدار إلى النفط، الذي يصفه بالمبرر التقليدي للهيمنة الأمريكية في الخليج.

ويرى أن قوة هذه الحجة تراجعت مع تحول الولايات المتحدة إلى منتج ومصدر رئيسي للطاقة.

ويستند إلى أن تجارة النفط تعمل ضمن سوق عالمية، وأن المنتجين يحتاجون إلى البيع كما يحتاج المستهلكون إلى الشراء.

ومن هذا المنطلق، يفترض أن أي قوة تهيمن على الخليج ستظل راغبة في تصدير الخام.

كما يستبعد أن يؤدي تغير موازين القوى إلى تعطيل الإمدادات العالمية لفترة طويلة.

لكن هذا الاستبعاد يظل تقديرًا للكاتب بشأن المستقبل، وليس ضمانًا لسلامة الإمدادات.

ويقر هدار بأن صدمات الأسعار تمثل خطرًا حقيقيًا. إلا أنه يفضل التعامل معها بالاحتياطيات الاستراتيجية وتنويع الأسواق،

بدل الانتشار العسكري الدائم.

مكافحة الإرهاب بأدوات أقل اعتمادًا على القوات

يصف الكاتب الإرهاب بأنه أقوى الحجج المتبقية لاستمرار الحضور العسكري الأمريكي المكثف.

ومع ذلك، يرى أن هذا الحضور نفسه استُخدم أداة للتجنيد لدى الجماعات الجهادية.

ويقترح الاعتماد على التعاون الاستخباراتي، وتأمين الحدود، وتنفيذ عمليات محددة من البحر عند الضرورة.

ويعتبر أن هذه الأدوات لا تستلزم نشر عشرات الآلاف من الجنود أو الدخول في مشروعات مفتوحة الأمد لبناء الدول.

انسحاب تدريجي مع بقاء العلاقات

لا يدعو هدار إلى خروج مفاجئ أو فوضوي. بل يقترح سياسة يصفها بـ«الإهمال الحميد»،

تقوم على سحب القوات تدريجيًا مع الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية.

وفي هذه الصيغة، تتحمل دول المنطقة المسؤولية الأولى عن أمنها. وتستمر الولايات المتحدة

شريكًا تجاريًا وموردًا للأسلحة وفق صفقات محددة، ووسيطًا عند الحاجة.

لكنها تتوقف، وفق تصوره، عن أداء دور الضامن الأمني الدائم والحَكم في النزاعات والطرف الذي تُحمّل عليه تبعات أخطاء الآخرين.

درس الانسحاب البريطاني

يستحضر المقال انسحاب بريطانيا من التزاماتها «شرق السويس» عام 1971.

ويشير إلى أن توقعات الكارثة لم تمنع دول الخليج من التكيف وظهور ترتيبات جديدة.

ويرجح هدار أن يشهد تقليص الدور الأمريكي مسارًا مشابهًا، مع إقراره بأن المنطقة

لن تتحول إلى مساحة خالية من الاضطرابات.

فهو لا يعد باستقرار تلقائي، وإنما يفترض أن القوى المحلية ستكون أكثر حرصًا على احتواء الصراعات عندما تتحمل كلفتها مباشرة.

ويختتم المقال الأصلي بسؤال عن الكلفة التي ستتحملها الولايات المتحدة إذا لم تغادر المنطقة،

بدل الاقتصار على سؤال ما سيحدث للشرق الأوسط إذا انسحبت. وهذه نقطة تختلف عن

صياغة الخاتمة في النسخة العربية المرفقة، التي أعادت السؤال إلى مصير المنطقة.

شارك المقال:

شاركنا برأيك