علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة(19) مجمع الأديان

إن مجمع الأديان ليس مجرد مقصد سياحي أو أثري، بل هو رسالة خالدة إلى العالم كله رسالة تقول إن الحضارة لا تُقاس بعظمة المباني وحدها، بل بقدرة الإنسان على احترام الآخر، وصون مقدساته، والتعايش معه في أمن وسلام.

مشاركة:
حجم الخط:

حيث تلتقي السماء بالأرض، ويكتب التاريخ أجمل صفحات التسامح الإنساني

هناك أماكن يزورها الإنسان بعينيه، وهناك أماكن يزورها بقلبه قبل أن تطأها قدماه.

من بين هذه الأماكن يقف مجمع الأديان في قلب مصر القديمة، شاهدًا على واحدة من أعظم الرسائل الحضارية التي قدمتها مصر للعالم.

رسالة تؤكد أن اختلاف العقائد لم يكن يومًا سببًا للفرقة، بل كان سبيلًا للتعايش والاحترام، وأن الأرض التي احتضنت الحضارات، كانت أيضًا مهدًا للتسامح الإنساني.

ما إن تدخل هذا المكان المبارك، حتى تشعر بسكينةٍ يصعب وصفها

هنا لا تسمع صخب المدينة، بل تسمع همس التاريخ وهو يروي حكايات الأنبياء والقديسين والعلماء والعابدين الذين مروا من هذه البقعة المباركة، وكأن الزمن قد اختار أن يتوقف احترامًا لقدسية المكان.

لعل ما يجهله كثيرون أن هذا الموقع الفريد يجمع بين آثار الديانات السماوية الثلاث في نطاق جغرافي صغير لا يكاد يتكرر في أي مكان آخر في العالم.

ففي خطوات معدودة، تجد الكنائس التاريخية العريقة، والمساجد الإسلامية، وآثار الوجود اليهودي، في لوحة حضارية نادرة، تؤكد أن مصر كانت ولا تزال أرض اللقاء، لا أرض الصراع.

ومن أعظم شواهد هذه القداسة كنيسة أبي سرجة، التي شُيدت فوق المغارة التي تُجمع التقاليد المسيحية على أن السيد المسيح عليه السلام، والسيدة مريم العذراء، ويوسف النجار احتموا بها خلال رحلتهم المباركة إلى مصر.

كنيسة أبي سرجة تلك الكنيسة التي حمت بداخلها السيد المسيح وعائلته
كنيسة أبي سرجة تلك الكنيسة التي حمت بداخلها السيد المسيح وعائلته

هنا تتحول الحجارة إلى صفحات مضيئة من السيرة، ويشعر الزائر أن المكان لا يروي التاريخ فحسب، بل يحتفظ بروحه

وبالقرب منها ترتفع الكنيسة المعلقة، إحدى أقدم وأشهر كنائس الشرق، وقد شُيدت فوق أبراج الحصن الروماني المعروف بـحصن بابليون، ذلك الحصن الذي ظل شاهدًا على تعاقب الإمبراطوريات والحضارات، حتى أصبح اليوم رمزًا لقدرة مصر على تحويل مواقع القوة العسكرية إلى منارات للسلام والعبادة.

في المشهد ذاته يقف جامع عمرو بن العاص، أول مسجد أُقيم في قارة إفريقيا، ومنه انطلقت رسالة الإسلام إلى ربوع مصر.

ما أروع أن تتجاور مئذنته مع أجراس الكنائس، في مشهد لا تصنعه المصادفة، بل صنعه تاريخ طويل من التعايش، لتبقى مصر مثالًا حيًا على أن دور العبادة قد تختلف في العمارة، لكنها تتفق في الدعوة إلى الخير والمحبة والرحمة.

مسجد عمرو بن العاص أول مسجد في مصر بالقرب من مجمع الإديان
مسجد عمرو بن العاص أول مسجد في مصر بالقرب من مجمع الإديان

لا يكتمل المشهد إلا بوجود معبد بن عزرا اليهودي، أحد أعرق المعابد اليهودية في مصر، الذي يضيف بعدًا آخر لهذا الموقع الفريد، ليصبح مجمع الأديان سجلًا حيًا لذاكرة الإنسانية، يروي كيف استطاعت مصر أن تحتضن أبناء الديانات المختلفة تحت سماء واحدة، وعلى أرض واحدة.

إن مجمع الأديان ليس مجرد مقصد سياحي أو أثري، بل هو رسالة خالدة إلى العالم كله

رسالة تقول إن الحضارة لا تُقاس بعظمة المباني وحدها، بل بقدرة الإنسان على احترام الآخر، وصون مقدساته، والتعايش معه في أمن وسلام.

معبد عزرا اليهودي بالقرب من المجمع والمسجد أحد أعرق المعابد اليهودية
معبد عزرا اليهودي بالقرب من المجمع والمسجد أحد أعرق المعابد اليهودية

وحين تغادر المكان، لن تحمل معك صورًا تذكارية فقط، بل ستغادر بقلب أكثر طمأنينة، ويقينٍ بأن مصر لم تكن عبر تاريخها مجرد أرضٍ للحضارات، بل كانت – وما زالت – أرضًا باركها الله، وجعلها واحةً للسلام، وجسرًا تلتقي عليه الأديان، وتتصافح فوق ترابها الإنسانية.

شارك المقال:

شاركنا برأيك