معتز منصور يكتب: إثيوبيا على خط النار ، هل انتقل السجال التركي الإسرائيلي إلى القرن الإفريقي؟
ذا أصبحت طرق إثيوبيا البرية أكثر عرضة للاضطراب، ترتفع قيمة البدائل، ومن بينها ممر بربرة. ليس معنى ذلك أن القتال اندلع من أجل الميناء، ولا أن هناك خطة معلنة لإعادة رسم طرق التجارة بقوة السلاح
هل انتقل السجال بين تركيا وإسرائيل إلى القرن الإفريقي عبر ما يحدث في إثيوبيا
قد يبدو المشهد الإثيوبي، للوهلة الأولى، صراعًا داخليًا آخر بين الحكومة المركزية ومجموعة جديدة من القوى المسلحة. سبع جماعات، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو الأمهرا وجماعات من أوروميا وعفر وبني شنقول، أعلنت تشكيل تحالف لإسقاط حكومة أبي أحمد، في وقت عادت فيه المواجهات إلى تيغراي وعفر وأمهرة. التحالف نفسه ليس كتلة متجانسة، وبين أطرافه خلافات سياسية وجغرافية عميقة، ولذلك فإن قدرته على الاستمرار وتحويل هذا التوافق المؤقت إلى مشروع سياسي وعسكري متماسك ما تزال موضع سؤال.
لكن ما يستحق التوقف ليس فقط ما يحدث داخل إثيوبيا، وإنما الطريقة التي بدأت بها القوى المحيطة تتعامل مع هذا الصراع. الإمارات أعلنت بوضوح تضامنها مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ورفضها أي محاولة لتغيير النظام الدستوري بالقوة، بينما أصدرت قطر بعد يومين بيانًا يدين التصعيد العسكري ضد القوات الفيدرالية ويعتبره تهديدًا لوحدة إثيوبيا وسيادتها، داعية إلى وقف القتال والعودة إلى الحوار والالتزام باتفاق بريتوريا. لا يوجد في الموقف القطري إعلان عن دعم عسكري لأبي أحمد كما قد يوحي بعض التداول الإعلامي، لكن مجرد تقاطع الموقفين الخليجيين في هذه اللحظة يستحق القراءة السياسية، خصوصًا أن البلدين يملكان مصالح متزايدة في القرن الإفريقي.
المسألة أوسع من سؤال: من يقف مع أبي أحمد ومن يقف ضده؟ إثيوبيا دولة حبيسة، لكنها ليست محبوسة جغرافيًا بالمعنى السياسي. موقعها يضعها أمام عدة أبواب بحرية، وكل باب منها يفتح طريقًا مختلفًا إلى التجارة والنفوذ والأمن. وإذا كان ميناء جيبوتي هو الطريق الأهم للتجارة الإثيوبية، فإن طريق بربرة يقدم بديلًا له دلالة مختلفة؛ فهو يبدأ من ميناء تديره «موانئ دبي العالمية» ويمتد عبر ممر بري إلى الأراضي الإثيوبية. الشركة نفسها تصف بربرة بأنها بوابة لإثيوبيا، وتتحدث عن طريق بري بطول 250 كيلومترًا يربط الميناء بالأراضي الإثيوبية.
وهذه ليست تفصيلة تجارية عابرة. عندما تنظر إلى الخريطة قليلًا، تكتشف أن الطريق من إثيوبيا إلى بربرة لا ينتهي عند الميناء. إنه يصل إلى خليج عدن، ثم إلى باب المندب، ثم البحر الأحمر. لذلك فإن من يملك استثمارًا في الميناء، أو طريقًا إلى الميناء، أو نفوذًا سياسيًا في الدولة التي يقع فيها الميناء، لا يشتري مجرد حصة في حركة البضائع. هو يضيف ورقة إلى موقعه في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لحركة التجارة والأمن البحري.
الإمارات بنت وجودًا اقتصاديًا حقيقيًا في بربرة منذ تولت «موانئ دبي العالمية» تشغيل الميناء عام 2017، ثم توسع المشروع ليشمل المنطقة الاقتصادية والممر المتجه إلى إثيوبيا. لذلك لا تحتاج أبو ظبي إلى اعتراف رسمي بصوماليلاند حتى يصبح لها تأثير فعلي فيها؛ النفوذ الاقتصادي واللوجستي الذي تراكم على الأرض أكثر أهمية من صيغة الاعتراف الدبلوماسي في كثير من الأحيان. وقد أُعلن كذلك عن تطوير طرق تربط الميناء بالجانب الإثيوبي، فيما تحاول بربرة أن تتحول تدريجيًا إلى مركز تجاري يخدم إثيوبيا والقرن الإفريقي.
ثم دخل العامل الإسرائيلي إلى المشهد بصورة أكثر وضوحًا. إسرائيل اعترفت رسميًا بصوماليلاند دولة مستقلة في ديسمبر 2025، وتطورت العلاقة بعدها بسرعة؛ فقد استقبل الكنيست رئيس صوماليلاند في يونيو 2026، كما استقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ سفير صوماليلاند، وتحدثت الرئاسة الإسرائيلية عن التعاون في مجالات تشمل الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي والحرية البحرية.
وفي الوقت نفسه، ظهرت تقارير صحفية عن توسع عسكري في مطار بربرة. صحيفة «لوموند» تحدثت، استنادًا إلى صور أقمار صناعية، عن أعمال تطوير في المطار ومنشآت يمكن أن تخدم استخدامات عسكرية، وربطت التقرير باهتمام إماراتي وأمريكي وإسرائيلي بالموقع. لكن هذه تبقى معطيات صحفية وتحليلًا للصور، وليست إعلانًا رسميًا عن قاعدة عسكرية ثلاثية، ولذلك من الأفضل ألا نحول التقرير إلى حقيقة مكتملة قبل وجود تأكيدات مستقلة.
المفارقة أن تركيا ليست بعيدة عن إثيوبيا أصلًا. أنقرة لديها علاقات ومصالح مع أديس أبابا، ولذلك فإن اختزال المشهد في معادلة «تركيا ضد إثيوبيا» سيكون تبسيطًا شديدًا. الخلاف التركي الإسرائيلي الأكثر وضوحًا يظهر في الصومال وصوماليلاند تحديدًا. تركيا أعلنت رفضها الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند وتمسكت بوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها، وهو موقف يتقاطع في هذه المسألة مع مواقف مصر وقطر والسعودية ودول أخرى.
لهذا تبدو بربرة أكثر أهمية من مجرد ميناء جديد على الخريطة. فالميناء يمكن أن يكون جزءًا من شبكة تجارية إماراتية، وفي الوقت نفسه يمكن أن يصبح نقطة ذات قيمة بالنسبة إلى إسرائيل، بينما ترى إثيوبيا فيه منفذًا إضافيًا إلى البحر، وتتعامل تركيا مع أي تغيير في وضع صوماليلاند باعتباره مساسًا بوحدة الصومال. المصالح هنا ليست متطابقة، لكنها تتقاطع فوق مساحة جغرافية ضيقة جدًا، وفي منطقة لا تحتمل كثيرًا من اللاعبين الذين يريدون في الوقت نفسه أن يكون لهم موطئ قدم على الساحل.
ولعل التطور الإثيوبي الأخير يزيد أهمية هذه الحسابات. فالمواجهات الجديدة لم تبقَ محصورة في تيغراي؛ عفر أيضًا دخلت في دائرة التصعيد، وهي المنطقة التي تمر بالقرب منها طرق التجارة المرتبطة بميناء جيبوتي. فإذا أصبحت طرق إثيوبيا البرية أكثر عرضة للاضطراب، ترتفع قيمة البدائل، ومن بينها ممر بربرة. ليس معنى ذلك أن القتال اندلع من أجل الميناء، ولا أن هناك خطة معلنة لإعادة رسم طرق التجارة بقوة السلاح، وإنما أن الصراع الداخلي يمكن أن يمنح الممرات البديلة وزنًا استراتيجيًا لم يكن لها بالدرجة نفسها قبل اشتداد الأزمة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع الاتهامات الإثيوبية الأخيرة لمصر والسودان بدعم التحالف المسلح الجديد. رئيس أركان الجيش الإثيوبي اتهم القاهرة والخرطوم بالوقوف خلف التحالف، واتهم إريتريا بأنها حلقة وصل بين داعمين خارجيين وجماعات مسلحة، من دون أن يقدم في التصريحات المنشورة أدلة على هذه الاتهامات، كما لم تكن هناك، وقت نشر التقارير، ردود مصرية أو سودانية تؤكدها أو تنفيها تفصيليًا. هذه الاتهامات لا تصلح وحدها لإثبات وجود تحالف، لكنها تكشف شيئًا آخر مهمًا: أديس أبابا نفسها بدأت تقرأ الأزمة باعتبارها متصلة بالبيئة الإقليمية المحيطة بها.
وفي هذا التوقيت تحديدًا، يصبح من الصعب تجاهل ما يجري في أبو ظبي. فقد كشفت تقارير إسرائيلية عن زيارة سرية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الإمارات ولقائه بالرئيس الإماراتي، في وقت أعلنت فيه الخارجية التركية زيارة هاكان فيدان إلى أبو ظبي في 28 سبتمبر. التزامن لافت، لكن لا توجد حتى الآن معلومات علنية موثوقة تسمح بالقول إن إثيوبيا كانت موضوع الزيارتين أو أن زيارة فيدان جاءت ردًا على لقاء نتنياهو؛ وأي ربط مباشر بين الأحداث سيكون استنتاجًا يتجاوز ما هو متاح من معلومات.
المهم أن المشهد لم يعد يسمح بالنظر إلى القرن الإفريقي كمنطقة هامشية بالنسبة إلى صراعات الشرق الأوسط. إثيوبيا، بسبب سد النهضة وحاجتها إلى منافذ بحرية، تقع عند تقاطع ملف النيل مع البحر الأحمر والقرن الإفريقي. الصومال وصوماليلاند تفتحان الباب على خليج عدن. بربرة تقترب من باب المندب. جيبوتي تقع على أهم طرق التجارة الإثيوبية. وإريتريا تطل على البحر الأحمر من موقع لا يمكن تجاهله. وبين هذه النقاط تتحرك تركيا والإمارات وإسرائيل وقطر ومصر والسعودية، وكل دولة تحمل حساباتها الخاصة، وقد تتفق في ملف وتتصادم في آخر.
لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي أقل إثارة من عناوين «التحالفات السرية»، لكنه أكثر دلالة: هل انتقل التنافس التركي الإسرائيلي فعلًا إلى القرن الإفريقي؟ الإجابة حتى الآن ليست أن هناك مواجهة مباشرة بين الطرفين هناك، ولا أن تحالفًا ثلاثيًا مكتمل الأركان قد وُلد في مواجهة تحالف آخر. الأدق أن القرن الإفريقي أصبح مساحة تتقاطع فيها مشاريع متنافسة حول الموانئ والطرق البحرية ووحدة الدول والنفوذ السياسي، وأن قضية صوماليلاند جعلت التباين التركي الإسرائيلي أكثر وضوحًا، بينما جعلت أزمة إثيوبيا الداخلية كل هذه المصالح أقرب إلى بعضها فوق أرض واحدة.
وقد لا تكون المشكلة في أن طرفًا واحدًا يخطط لكل شيء. التاريخ السياسي للموانئ والممرات البحرية أكثر تعقيدًا من ذلك. أحيانًا يكفي أن تتوافق مصالح عدة أطراف، كلٌ منها يبحث عن مصلحته الخاصة، حتى تتشكل أمامك نتيجة تبدو كأنها خطة واحدة. وما يحدث الآن في إثيوبيا والقرن الإفريقي يستحق أن يُقرأ بهذه العين: ليس بحثًا عن غرفة مغلقة يجلس فيها الجميع حول خريطة، وإنما مراقبة دقيقة لمن يمد الطريق، ومن يمسك بالميناء، ومن يحتاج إلى هذا الطريق، ومن يخشى أن يملكه خصمه.
شاركنا برأيك