علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
إبداع
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

«مقسوم» حين لا يكون الحنين إلى الماضي هروبًا منه

العنوان يحمل دلالة مزدوجة: «مقسوم» هو الإيقاع الموسيقي، وهو أيضًا ما قُسم للإنسان من نصيب. لكن الفيلم يقاوم فكرة أن ما حدث قد صار قدرًا مغلقًا. لا يمكن استعادة كل ما مضى، لكن يمكن إعادة فهمه والتصالح معه واختيار ما يستحق أن نحمله معنا.

مشاركة:
حجم الخط:

ليس الحنين في «مقسوم» زينة معلّقة على جدار التسعينيات، ولا حيلة سهلة لاستدعاء زمن يبدو أجمل كلما ابتعد.

الحنين هنا أكثر قسوة وذكاء، إنه مرآة تُجبر ثلاث نساء على النظر إلى المسافة بين ما كنّ عليه وما صرن إليه.

من هذه المسافة يصنع الفيلم جوهره الحقيقي: ليس سؤال العودة إلى الماضي، بل سؤال ما إذا كان الإنسان قادرًا، بعد سنوات طويلة من التنازلات والخسارات والأدوار المتراكمة، على استعادة الجزء الذي ضاع منه من دون أن يتحول إلى أسير لما فات.

بهذا المعنى، ينجح «مقسوم» في أن يبدأ ككوميديا موسيقية دافئة، ثم يتسلل بهدوء إلى منطقة أكثر عمقًا عن الزمن والصداقة والهوية والحق في بداية جديدة.

السيناريو.. حين تصبح الشخصية هي الحدث

قوة هيثم دبور في «مقسوم» أنه لا يحمّل الحكاية أكثر مما تحتمل، بل يراهن على الشخصيات. ثلاث صديقات جمعتهن فرقة موسيقية في الماضي ثم فرّقتهن الحياة، قبل أن تعيد مناسبة جديدة جمعهن.

البناء بسيط، لكن القيمة تأتي من الطريقة التي تُرسم بها هند وإيمي ورانيا باعتبارهن ثلاث علاقات مختلفة بالزمن.

هند، التي تقدمها ليلى علوي، ترفض أن تتحول السنوات إلى حكم نهائي على المستقبل. بحثها عن الحب ليس مادة للكوميديا فقط، بل إعلان عن تمسكها باحتمال البداية. وتمنحها ليلى علوي مزيجًا دقيقًا من الحيوية والوحدة، بحيث يبدو التفاؤل نفسه أحيانًا وسيلة دفاع.

إيمي، في أداء شيرين رضا، تبدو أكثر انشغالًا بالصورة والجمال والهيبة، لكن هذه القشرة تخفي خوفًا أعمق من أن تصبح الذاكرة الشخصية بلا قيمة حين لا يعود الآخرون يتذكرون من كنت.

وتنجح شيرين رضا في بناء الشخصية من الخارج إلى الداخل، محتفظة بدرع الثقة حتى تتسلل الهشاشة من شقوقه.

أما رانيا، التي تؤديها سماء إبراهيم، فهي الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية.

امرأة امتلأت بأدوار الزوجة والأم والجدة حتى كادت ذاتها الخاصة تختفي بينها. لا يقدمها الفيلم كضحية، بل يرصد بهدوء كيف يمكن للمسؤوليات أن تبتلع صاحبها تدريجيًا.

وتمنح سماء إبراهيم الشخصية صدقها عبر الاقتصاد في الأداء، لا عبر الانفجارات الميلودرامية.

الصداقة.. الذاكرة التي لا تنسى من كنّا

حين تجتمع الشخصيات الثلاث، يبدأ الفيلم الحقيقي.

الصداقة هنا ليست خلفية عاطفية، بل قوة درامية كاملة. فكل واحدة تحتفظ بنسخة قديمة من الأخريين، وتعرف مواضع ضعفهما وأحلامهما المؤجلة وما حاولتا دفنه تحت الحياة الجديدة.

من هنا يصبح اللقاء أكثر من لمّ شمل؛ إنه مواجهة مع الذات القديمة. وهذا ما يمنح الحوار حيويته، فالكوميديا لا تُصنع من الإفيه المنفصل، بل من اختلاف الطبائع والإيقاعات.

لكل شخصية لغتها ونبرتها وطريقتها في رؤية العالم، والأهم أن الكتابة تعرف متى تصمت، لأن تاريخًا طويلًا بين الصديقات لا يحتاج إلى تفسير كل شيء بالكلمات.

ثلاث ممثلات.. وثلاث نغمات في لحن واحد

التمثيل أحد أعمدة الفيلم الأساسية، ليلى علوي تمنح هند دفئًا وانفتاحًا يخفيان توترًا داخليًا، وشيرين رضا تجعل إيمي شخصية قابلة للاكتشاف لا للحكم السريع، بينما تمنح سماء إبراهيم رانيا ملمسًا يوميًا شديد الصدق.

لكن النجاح الأكبر لا يكمن في أداء كل واحدة منفردة، بل في الكيمياء بين الثلاث.

نشعر بأنهن عشن تاريخًا مشتركًا قبل بداية الفيلم، وأن الحب والعتاب والمنافسة والحنين أجزاء متداخلة من العلاقة نفسها.

ولهذا لا يبدو «مقسوم» فيلم ثلاث نجمات اجتمعن في مشروع واحد، بل حكاية ثلاث شخصيات لا تكتمل أي منها من دون الأخريين.

كوثر يونس.. حضور مخرج لا يزاحم شخصياته

في تجربتها الروائية الطويلة الأولى، تقدم كوثر يونس إخراجًا واثقًا لا يقع في غواية الاستعراض. تعرف أن رأس مال الفيلم هو الممثل والشخصية، فتضع الكاميرا والإيقاع في خدمتهما، وتعرف متى تقترب من الوجه ومتى تترك للصمت مساحته.

هذه البساطة ليست غيابًا للرؤية، بل دليل على مخرجة تدرك أن الإخراج لا يُقاس بكمية الحيل البصرية، وإنما بقدرة كل عنصر على خدمة المعنى.

من الطبيعي أن يكون لتكوينها السينمائي أثره، فهي ابنة أستاذنا الكبير الدكتور مختار يونس، لكن الأجمل أنها لا تستند إلى هذا الإرث كعلامة تعريف، بل تبني حساسية خاصة بها، قوامها الإنسان والذاكرة وما يفعله الزمن بالعلاقات.

أسوان والموسيقى.. حين يصبح المكان إيقاعًا

اختيار أسوان يتجاوز وظيفته الجمالية، فالانتقال من حياة مزدحمة بالأدوار والمسؤوليات إلى فضاء مفتوح من النهر والضوء والسماء يمنح الرحلة بعدًا نفسيًا، المكان هنا يخفف ضجيج الخارج كي تسمع الشخصيات نفسها.

تدعم الصورة هذا المعنى بألوان دافئة وحضور بصري يحتفي بالبطلات كما هن، من دون محاولة إخفاء أثر العمر أو التعامل معه كعبء.

كذلك يحافظ المونتاج على توازن الخطوط الثلاثة من دون أن يسمح لأي منها بابتلاع الرحلة الجماعية.

أما الموسيقى فليست خلفية، بل ذاكرة حية. هؤلاء النساء جمعتهن الموسيقى أولًا، ولذلك تصبح العودة إليها عودة إلى جزء من الذات.

حين يعدن إلى الغناء والعزف، لا يبدو الأمر كاستعادة لفرقة قديمة بقدر ما يبدو كاستعادة لصوت كان قد خفت تحت طبقات الحياة.

«مقسوم» العمر ليس خاتمة

أجمل ما في الفيلم أنه يتحدث عن مرور العمر من دون أن يحوله إلى مرثية. يمنح ثلاث نساء ناضجات حق البطولة الكاملة: الحب، والخطأ، والرغبة، والغيرة، والضحك، والمغامرة، من دون أن يحول ذلك إلى شعار.

حتى العنوان يحمل دلالة مزدوجة: «مقسوم» هو الإيقاع الموسيقي، وهو أيضًا ما قُسم للإنسان من نصيب. لكن الفيلم يقاوم فكرة أن ما حدث قد صار قدرًا مغلقًا. لا يمكن استعادة كل ما مضى، لكن يمكن إعادة فهمه والتصالح معه واختيار ما يستحق أن نحمله معنا.

لهذا لا يكون الحنين في «مقسوم» هروبًا من الحاضر، بل وسيلة لفهمه، الرحلة لا تعيد النساء إلى ما كنّ عليه، وإنما تساعد كل واحدة منهن على رؤية ما بقي حيًا فيها رغم السنوات.

وهنا يجد الفيلم نغمته الأصدق:

لسنا مطالبين بأن نعود إلى الماضي، بل أن نعرف ما الذي يستحق أن نأخذه منه

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.