سامح حسنين يكتب: ما تركتك أبا هادي
استشهد السيد حسن على الجبهة غير مستسلم ولا متذلل ولا مستكين، لم يتل فينا يومًا خطبة التيه ولم يقرأ علينا من كتاب الخيانة، ولا عاهد بكفته وغدر بسبته.
في ذكرى السيد حسن نصر الله
بدا وكأنه عائد من التاريخ أو بالأحرى عابر للتاريخ، ترى في طلته ظل الأبطال الأسطوريين، فكأنه الحسين يوم الطف يصيح هيهات منّا الذلة.
كأنه العباس على شط الفرات يسقى العطاشى ويحمل اللواء ويحمي الخيام، وإن أطلت النظر لمحت أثر ميثم التمار فقير المال غني الكرامة وهو يواجه ابن مرجانة ” صدق سيدي علي لقد قال لي يا ميثم يصلبك ابن زانية على جذع نخلتك”
فيه من قلب أبي ذر الغفار المنحاز للفقراء ” لا تجعلوا أموال الناس دولة بينكم” وفيه من أثر ابن صرد الخزاعي ” خذ من دمنا حتى ترضى”
فيه من يقين المختار الثقفي ” اذهب واخبر المكلومين بالحسين ماذا سيفعل المختار”
فيه من بسالة شيخ المجاهدين عمر المختار وهو يبتسم لحبل المشنقة وصلابة جمال عبد الناصر وهو يواجه الأميركيين ويؤمم القنال.
فيه بعض من قلب أمي زينب وهي تبكي أشقائها، وإيثار أم البنين فاطمة وهي تسأل عن الإمام لا عن أبنائها، فيه من فصاحة لسان الأحنف بن قيس ” إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا والسيوف التي حاربناك بها لفي أغمادها، وإن تدن من الحرب فترًا ندن منها شبرًا”
فيه من عقل محمود نور الدين وهو يطارد عملاء الموساد والسي اي ايه في شوارع القاهرة.
فيه من عبد الكريم الخطابي ومصطفى بولعيد، ووديع حداد وأبي حسن سلامة وأبي جهاد وسناء محيدلي، وشادية أبو غزالة.
فيه من كل الأبطال الذين قصصنا عليك وممن لم نقصص.
هو واحدًا من أبناء الفقراء والمحرومين الذين أغناهم الله بحب الحسين، وبعشق دربه، فبايعوا على الموت، صار السيد كربلائيًا ينشد الشهادة لأنه ممن فهموا فلسفة الاستشهاد.
لم يسع للثراء ولا أن يكون معممًا بفائض إيمان ظاهري، ولا بإسلام مظهري، بل انحاز للفقراء المحرومين مثله يشاركهم الحرمان والفقر ويقاسمهم وفرة الكرامة والنخوة والوطنية.
خاض طريق القتال وحمل السلاح، وحين ألقيت عليه مسؤولية الجميع سرعان ما غزا الشيب مفرقه.
يتسلل رغم المحاذير الأمنية ليلًا يزور اليتامي والثكالى والأيامى، يبكي الشهداء والجرحى، يعرف الجميع ، يعرف الأسماء والسجناء، وتجود عيناه ويداه على الفقراء.
معمم اشتراكي، معمم مقاتل، معمم يدرك أن الثمن الذي سيدفع في الاستسلام أكبر بكثير من الثمن الذي سيدفع في الكرامة التي لم يعدمها الجنوب رغم فقره.
في خطابه الأخير رأيت فيه صورة عبد الناصر حين اجتمعت عليه قوى الاستعمار وخونة العرب، صامد رغم الجراح، في عينيه دموع ويخشى أن تخونه مشاعره.
رحل رفاق الدرب المؤسسون رفاق الطفولة والشباب ورفاق السلاح، الذين عاشوا أحرارًا وماتوا كما الأشجار وقوفًا، ود أن يبكيهم لكن الدموع قد يحسبها العدو انتصارًا، فتمالك ووعدنا باللقاء لكنه كان يُدرك أنه لن يكون هناك لقاء آخر.
كان يودعنا دون إعلان، يتلو علينا خطبة الصمود رغم الوجع، يقرأ علينا ما تيسر من درب جده الذي قلّ ناصروه، وزاد واتره،لكن لحظة خيروه بين السلة والذلة، صاح صيحته الخالدة “هيهات منا الذلة”
في التاريخ رجال أقدارهم دومًا أن يكونوا أصحاب دور يستدعيهم، لا يصعدون خشبة التاريخ كفائض عليه بل كضرورة، وجودهم ليس انتقاءًا بين خيارات بل حتمية يفرضها الواقع وتتطلبّها الحوادث.
في وطننا العربي استدعى التاريخ واستدعت الحوادث جمال عبد الناصر ردًا على واقع مأزوم وطريق مسدود،احتلال إنجليزي يجثم فوق صدر البلاد والعباد، وفقر واستعباد أحنى ظهور الرجال، فكان صعود عبد الناصر ضرورة تاريخية.
في الجزائر لم تكن ثورة التحرير ترفًا فكريًا ولا حركة تحلّق في الفراغ بل جاءت لتواجه الدم بالدم، استدعاها التاريخ لتقول أن هنا شعبًا لم يمت، شعب مهما طالت ليالي احتلاله لابد أن يشرق فجر تحرره، فكان أحمد بن بيلا ورفاقه.
في غيرها من أقاليم وطننا العربي المحكوم عليه بالتآمر من قبل قوى الاستعمار والهيمنه، تستدعي حركة التاريخ أبطالها بعض نجح وبعض أخفق لكن حركة التاريخ لا تتوقف.
في لبنان الذي نجح الاستعمار الفرنسي في خلق واقعه الأليم المحكوم بتوازنات طائفية، كانت إسرائيل تمرح في أرجائه، وتعبث بأراضيه، معتقدة بهتانًا وإثما أن لبنان صار كله كتائبيًا بطرد منظمة التحرير، لم تعتقد يومًا أن الفقراء المحرومين في جبل عامل رجال قادرون على الصمود.
جاءت إسرائيل ومن خلفها الأميركان لكن لم يظنوا أن الأمة فيها رجال أعاروا الله جماجمهم ووهبوه دماءهم لا يقبلون ذلة ولا انكسار، فكان عباس الموسوي وراغب حرب وفؤاد شكر وعماد مغنية والسيد حسن، رجال أخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا ضربًا ضربًا لا يستبشرون بالأحياء ولا يُعزون عن الموتى.
استشهد السيد حسن على الجبهة غير مستسلم ولا متذلل ولا مستكين، لم يتل فينا يومًا خطبة التيه ولم يقرأ علينا من كتاب الخيانة، ولا عاهد بكفته وغدر بسبته.
استُشهد ولا راية بيضاء رفُعت ولا سلاح نُكس ولا إرادة هُزمت، ولا قلب وجف ولا جسد رجف ولا يد أرخت زندها عن السلاح، لا ثروة جمع ولا مالًا عدده ولا ولدًا نعمّه وأخفاه وأخلده، لا ذهبا أغراه وقربّه ولا سيفًا أرهبه.
قل ناصره وكثر واتره وانحدرت عليه الجمال من السقيفة رافعة قميص الدين تدّعي به وصلًا، تخدّر به الموهومين وتخدع الجاهلين، وكذبوا والله فلقد كان مع الحق وعلى الحق وكانوا هم في غيهم يعمهون حتى أجاب أمر ربه غير مبدد ولا مبدل.
كم وددت يا أبا هادي أن أقاتل تحت لوائك أو حتى أن أحضر تشييعك، لأبكيك كما يليق بالتلميذ الذي يبكي أستاذه، والجندي الذي يحمل نعش قائده، والمريد الذي تجود عيناه دمعا على وليه.
كم هفا قلبي لأحمل نعشك هاتفًا ما تركتك يا سيد، ما تركتك، وأصوغ لك بيتًا من الشعر الأبيّ، لأقول لك كم كنت معك كتفًا بكتف وذراعًا بذراع وقلبًا بقلب وروحًا بروح، لأحكي لك عن ال 2006 وأنا أحمل صورك في شوارع القاهرة وأهتف لك من صميم روحي علك تسمعني، أبعث لك سلامًا تلو السلام -أحدهم يومًا أوصله ورددت السلام-
اليوم بعد عامين من استشهادك أبعث لك من جديد بسلام مما تبقى من قلبي الموجوع وروحي النازفة، حتمًا صديقي الذي أوصيته سيوصله، وستجود عيناه دمعًا أصالة عن نفسه ونيابة عني كرجل يعرف قيمة الرجال الذين لم تُحنهم البوارج ولا الطائرات، الذين لم يتخذوا الليل جملًا ولم يهربوا من ساحات القتال، الذين دافعوا بشرف، وقاتلوا عن يقين واستُشهدوا وهاماتهم مرفوعة.
فلتقرأ الفاتحة عني يا صديقي لرجل خُير بين السلة والذلة، فكان دومًا شعاره هيهات منا الذلة.
وما تركتك يا سيد!
ما تركتك!!
شاركنا برأيك