عزت إبراهيم يقرأ كتاب: لوبي إسرائيل (1) لوبي لا يشبه غيره
في مايو 2017 وقع أعضاء مجلس الشيوخ المئة رسالة واحدة إلى الأمين العام للأمم المتحدة للاحتجاج على ما اعتبروه تحيزا ضد إسرائيل.

نتنياهو وترامب
كيف أصبحت إسرائيل الحالة الأكثر استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية
عندما وقف بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل أمام مجلسي الكونجرس في الثالث من مارس 2015، لم يكن يلقي خطابا بروتوكوليا لرئيس حكومة أجنبية.
جاءت دعوته من القيادة الجمهورية من دون تنسيق مسبق مع إدارة باراك أوباما، وكان هدفه المعلن مواجهة الاتفاق النووي الذي كان الرئيس الأمريكي نفسه يسعى إلى إبرامه مع إيران
استغرق خطاب نتنياهو 42 دقيقة، وقاطعه أعضاء الكونجرس بالتصفيق 38 مرة، بينها 23 مرة وقفوا فيها على أقدامهم.
وبعد تسع سنوات، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى القاعة نفسها في يوليو 2024، وسط حرب غزة ومقاطعة عدد ملحوظ من الديمقراطيين، فتحدث 53 دقيقة، وقوطع بالتصفيق 74 مرة، بينها 53 وقفة تصفيق.
عزت إبراهيم يقرأ كتاب: كل حروب الرؤساء (1-2)
يكاد المشهد الأخير يعني وقفة تصفيق كاملة في كل دقيقة.
لا تقدم هذه المشاهد مجرد صورة عن مزاج الكونجرس، إنها تقدم مدخلا إلى علاقة ثنائية لا تشبه، في درجة حميميتها السياسية، أي علاقة أمريكية أخرى مع دولة أجنبية.
تدعم الأرقام هذا الانطباع.
منذ قيام إسرائيل عام 1948 وحتى الفترة التي يغطيها الكتاب، خاطب قادة أجانب جلسات مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ 79 مرة.
ذهبت ثماني من هذه الدعوات إلى رؤساء أو رؤساء حكومات إسرائيليين، أكثر من أي دولة أخرى. ومنذ 1995 وحده ألقى قادة أجانب 37 خطابا أمام جلسات مشتركة، بينها خمسة لقادة إسرائيليين.
أما نتنياهو نفسه فقد تحدث أمام الكونجرس أربع مرات، متجاوزا ونستون تشرشل الذي خاطبه ثلاث مرات.
يبدأ كليفتون ولوستيك تحليلهما من مكان أبعد بكثير عن إسرائيل:
خطاب جورج واشنطن الوداعي عام 1796، خصص الرئيس الأمريكي الأول 11 فقرة من أصل 50 للتحذير من التعلقات العاطفية بالدول الأجنبية.
لم يكن واشنطن يرفض وجود جماعات المصالح، فقد قام النظام الأمريكي كله على افتراض أن الفئات المختلفة ستنظم نفسها وتسعى إلى تحقيق ما تعتبره مصالحها.
كان يخشى نوعا محددا من الانحياز:
أن تتشكل داخل الولايات المتحدة جماعة شديدة التنظيم والالتزام تجاه دولة أجنبية من دون أن تقابلها قوة سياسية مشابهة، فتبدأ مصالح الدولة الأخرى في الاندماج تدريجيا في تصور الأمريكيين لمصلحتهم الوطنية.
وتأتي إحدى أكثر مجموعات البيانات دلالة من الكونجرس نفسه
بين 1973 و2013 قدم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ 938 مشروع قانون وقرارا غير متعلق بالاعتمادات المالية يدعم إسرائيل.
تجاوز هذا العدد مجموع الإجراءات المماثلة المتعلقة بمصر والأردن وكوريا الجنوبية وبريطانيا والهند واليابان مجتمعة.
وفي يوليو 2023 صوت مجلس النواب بأغلبية 412 مقابل 9 على قرار يؤكد استمرار الدعم لإسرائيل ويعلن أنها ليست دولة عنصرية ولا دولة فصل عنصري.
وبعد اندلاع حرب غزة، أقر المجلس في أبريل 2024 حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 14.3 مليار دولار بأغلبية 366 مقابل 58.
ثم مرر بأغلبية 377 مقابل 44 قرارا يدين عبارة «من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة» باعتبارها معادية للسامية.
وتظهر الاستثنائية نفسها في الأمم المتحدة.
في مايو 2017 وقع أعضاء مجلس الشيوخ المئة رسالة واحدة إلى الأمين العام للأمم المتحدة للاحتجاج على ما اعتبروه تحيزا ضد إسرائيل.
وفي أكتوبر 2015 صوتت 191 دولة لمصلحة إنهاء الحصار الأمريكي على كوبا ولم تقف في الجانب الآخر سوى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد شهر صوتت 155 دولة مقابل سبع لمصلحة قرار يدعو إلى تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ووجدت واشنطن نفسها مرة أخرى إلى جانب إسرائيل داخل أقلية دولية محدودة.
لا يجمع ملفا كوبا وإسرائيل شيء تقريبا من الناحية الاستراتيجية، لكن كليهما يكشف كيف تستطيع جماعة ضغط شديدة التنظيم أن تجعل السياسة الأمريكية بعيدة عن الاتجاه الدولي العام.
تقع اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة، AIPAC، في قلب هذه البنية.
بدأت المنظمة في أوائل الخمسينيات تحت اسم American Zionist Committee for Public Affairs، واتخذت اسمها الحالي عام 1959.
وبحلول 2025 كانت تقول إن عضويتها وصلت إلى خمسة ملايين شخص.
وفي 2009 كان إنفاقها السنوي على الضغط في واشنطن يقارب ثلاثة أضعاف إجمالي ما أنفقته أكبر ثماني منظمات يهودية أخرى تعمل في مجال المناصرة المرتبطة بإسرائيل.
ومع ذلك لا تساوي AIPAC اللوبي كله.
فالمنظومة تشمل شبكات مانحين، ولجان عمل سياسي، ومراكز بحوث، ومنظمات قانونية وإعلامية ومؤسسات دينية وخيرية، بينما تقوم AIPAC بدور المركز الأكثر انتظاما في مراقبة الكونجرس وبناء العلاقات مع أعضائه.
وتكشف سمعة المنظمة داخل واشنطن عن حجم هذه المكانة.
في استطلاع أجرته مجلة Fortune عام 1997 وشمل 2200 شخص من أعضاء الكونجرس وموظفيه ومسؤولي السلطة التنفيذية، جاءت AIPAC في المرتبة الثانية بين أكثر من مئة جماعة ضغط، ولم تتقدم عليها سوى AARP، المنظمة العملاقة للمتقاعدين الأمريكيين.
وكان جورج شولتز، وزير الخارجية في إدارة رونالد ريجان بين 1982 و1988، أكثر صراحة في وصف أثرها، إذ قال لاحقا إنه شعر بالدهشة والإحباط من قدرتها داخل الكونجرس، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأي محاولة لمناقشة خفض المساعدات الموجهة إلى إسرائيل.
يضيف عالم السياسة كيرك بيتي بعدا أكثر تفصيلا إلى الصورة.
اعتمد في كتابه Congress and the Shaping of the Middle East على أكثر من مئة مقابلة مع موظفين كبار وصغار في الكونجرس.
ووجد أن أعضاء المجلسين يواجهون بصورة متكررة تصويتات وقرارات تعمل عمليا كاختبارات لمواقفهم من إسرائيل، وأن مكاتبهم تدرك حجم المخاطرة السياسية المرتبطة بمخالفة AIPAC في القضايا الأساسية.
ونقل عن موظف مخضرم في لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ قوله إن أحدا لن يقتطع أموالا من الاعتمادات الخاصة بإسرائيل لأن «لا أحد انتحاري إلى هذه الدرجة».
ينتقل النقاش من مقدار الدعم إلى كيفية إنتاجه.
لا تحتاج جماعة الضغط إلى أن تملي التعليمات على كل مشرع في كل مرة.
يكفي أن يصبح العقاب المحتمل معروفا
وتقدم حالة السيناتور الجمهوري تشارلز بيرسي من إلينوي أحد أشهر الأمثلة.
كان بيرسي عضوا بارزا في مجلس الشيوخ وجرى التعامل معه في وقت ما باعتباره شخصية رئاسية محتملة، لكنه أيد بيع طائرات الإنذار المبكر AWACS إلى السعودية واتخذ مواقف أكثر استقلالا عن الخط المؤيد لإسرائيل.
في انتخابات 1984 تدفق نحو 1.8 مليون دولار من مساهمات مرتبطة بالشبكات المؤيدة لإسرائيل لدعم الحملة المضادة له، وهو رقم استثنائي بمقاييس ذلك الوقت.
خسر بيرسي المقعد، وبعد سنوات أصبحت واشنطن تتحدث عن «Percy factor»: مصير سياسي واحد يتحول إلى رسالة لبقية السياسيين.
يظهر المنطق نفسه في حالات أكثر حداثة، ولا تقتصر أهدافه على السياسيين غير اليهود.
شهدت الثمانينيات حملات ضد السيناتورين اليهوديين تشيك هيخت وإدوارد زورينسكي بسبب ما اعتبرته الدوائر المؤيدة لإسرائيل مواقف غير كافية في بعض الملفات.
وفي 2022 أنفقت AIPAC ملايين الدولارات في الانتخابات التمهيدية التي انتهت بخسارة عضو الكونجرس الديمقراطي آندي ليفين من ميشيجان، وهو رئيس سابق لمعبده اليهودي وصهيوني أعلن انتقاده سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية.
وفي انتخابات 2024 أنفقت الجهات المرتبطة بـAIPAC رقما قياسيا بلغ نحو 45 مليون دولار على سباقات مجلسي النواب والشيوخ.
وتركز جانب مهم منه على إسقاط النائبين التقدميين جمال بومان وكوري بوش، وهما من أوائل الأصوات في الكونجرس التي طالبت بوقف إطلاق النار في غزة.
تفسر هذه الوقائع لماذا لا يحتاج النفوذ إلى كتلة انتخابية يهودية كبيرة في كل دائرة.
بل قد يصبح التأثير المالي أكثر قوة في الولايات أو الدوائر التي يهتم ناخبوها قليلا بالشرق الأوسط. لا يحصل عضو الكونجرس هناك على مكافأة انتخابية مهمة إذا رفض التوقيع على رسالة تدعم إسرائيل، في حين يستطيع خصمه الحصول على موارد كبيرة إذا قررت شبكة منظمة معاقبته.
وكلما كان السباق أصغر، ارتفعت قيمة كل دولار.
ويقدم النائب الديمقراطي ريتشي توريس، الذي يمثل إحدى أفقر مناطق البرونكس ويعد في الوقت نفسه من أكثر أعضاء الكونجرس التصاقا بالمواقف المؤيدة لإسرائيل، مثالا على أن الجغرافيا الديموغرافية وحدها لا تفسر قوة العلاقة.
كان توم داين، المدير التنفيذي لـAIPAC بين 1980 و1993، واضحا بشأن أهمية المال. نقل عنه في 1991 أن القوة السياسية للشبكات المؤيدة لإسرائيل لا تنبع أساسا من «الصوت اليهودي» وإنما من المال السياسي، وأن تدفقه في الوقت والمقدار المناسبين يستطيع التأثير في نتائج عدد من سباقات مجلس الشيوخ.
ووفقا لروايته، كانت الشبكة توجه خلال الثمانينيات والتسعينيات مساهمات تعادل نحو 10 إلى 15 في المئة من ميزانية الحملة النموذجية لعضو الكونجرس.
ويقدم تسجيل مسرب من عام 1992 نافذة نادرة على هذه الثقافة.
تحدث ديفيد شتاينر، رئيس AIPAC آنذاك، هاتفيا مع رجل الأعمال حاييم كاتس من دون أن يعرف أن المكالمة تسجل.
تحدث عن النفوذ في التعيينات الرئاسية والتشريع، وعن قيمة مكافأة السياسيين الذين يثبتون ولاءهم.
وأوضح أن المعيار الأساسي لا يتعلق بكون المرشح يهوديا أو غير يهودي، وإنما بسجله تجاه إسرائيل.
فإذا كان سياسي غير يهودي جيدا لإسرائيل، فإن دعمه ضد منافس يهودي يمكن أن يرسل رسالة أكثر فاعلية:
من يلتزم بالخط يحصل على الدعم. وشرح كذلك أن مساهمة تتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألف دولار يمكن أن تكون شديدة الأهمية في ولاية صغيرة حتى لو بدت محدودة في سباق قومي كبير.
استقال شتاينر بعد نشر التسجيل وتنصلت AIPAC من تصريحاته، غير أن الواقعة كشفت منطق توزيع الموارد: توجيه المال حيث يحقق أكبر عائد سياسي.
في المقال القادم نستكمل تأثير اللوبي الإسرائيلي على الانتخابات الأمريكية
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك






