مقال بوك
د. أشرف الصباغ
د. أشرف الصباغ

كاتب وأديب

د. أشرف الصباغ يكتب: حينما لا يغادرك الوطن وإن نسيك

تُهاجر وأنت تحمل "الوطن" في حقيبتك، في رائحة ثيابك، والرسوم المطبوعة على الأوراق المالية القليلة التي ستصبح بعد قليل عديمة الفائدة، والحروف المكتوبة على جواز سفرك، وبعض رسائل الحب القديمة.

مشاركة:
حجم الخط:

لا أحد يُوُلَد وهو يفكر في مغادرة “الوطن” يكفي أنه غادر أهم معاقل الأمان على الإطلاق، عندما فصلوه عن حبل أمه السُّري.

أنْ يَهجُركَ “الوطن”، فهذا شيء مؤلم وقبيح والهجرة من “الوطن” أكثر قبحًا وأشد وجعًا.

الهجرة مجرد فكرة صغيرة تتكون من تفاصيل يومية بسيطة، تكبر كل يوم عبر آلام وأوجاع وإهانات واحتياجات صغيرة، تتراكم في كل لحظة، لتتحول إلى ورم خبيث ينتشر في كل المشاعر والأحاسيس، يسمم العقل والقلب، والروح، ويعمي البصر.

هناك مَنْ غادر “الوطن” مؤقتًا، بحثًا عن الرزق.

وهناك من غادره، لأنه ضاق بأحلامه.

وهناك أيضًا مَنْ فقد الشعور بالأمان، أو فقد أمًّا أو أبًا في لحظة فقر أو إهمال، وربما لحظة استعلاء وتحقير. وهناك من غادره بحثًا عن العِلْم أو كسرة “كرامة”، أو هروبًا من جشع وأنانية وتسلط “اتحاد مُلَّاك الوطن” وأبنائهم وحوارييهم.

لكن.. لا أحد يُولَدُ في وطنه بفكرة الهجرة، ولا بنية المغادرة.

تُهاجر وأنت تحمل “الوطن” في حقيبتك، في رائحة ثيابك، والرسوم المطبوعة على الأوراق المالية القليلة التي ستصبح بعد قليل عديمة الفائدة، والحروف المكتوبة على جواز سفرك، وبعض رسائل الحب القديمة.

في ملامح أمك، ونظرات أبيك، ولهفة أختك.

وربما في مخاوف حبيبتك ودقات قلبها والشك يتسرب إلى روحها، بأنك لن تعودَ أبدًا.

يتحول “الوطن”، مع الوقت إلى خريطة على جلد حقيبتك القديمة

لا يراها أبناؤك ولا أحفادك، ولا يشعر بها إلا أنت، حتى وإن مر خمسون أو ستون عامًا.

يصبح جواز سفرك القديم مجرد علامة محفورة في ذاكرتك بحروفه التي تُرى بالكاد، وتتلاشى رائحة ثيابك التي أتيت بها.

لتصير ندبة ضمن تلك الندوب التي ظهرت عندما خرجت للعب لأول مرة في الشارع وتعاركت مع أقرانك، وعندما تسلَّقت شجرة التوت للمرة الأولى وانزلقت قدمُك، وأثر الجرح الصغير عندما حلقت ذقنك لأول مرة وأنت تُقَلِّد أباك وهو يمرر الموسي على ذقنه بهدوء وحذر.

الهجرة، لعنة.

لكن الحنين ألعن في سن الشباب لا تشعر بأن الموت قريب، ولا يرى عقلك بوابة العبور إلى الجانب المظلم من العالم.

دمك الفائر وحماستك وطموحك واتساع الحياة تبعد بوابات العبور عن عينيك.

بينما الحنين يصبح محض مقولات نظرية عن الماضي والوطن والأصدقاء والشوارع القديمة والسهر على المقاهي والسباحة في بحور النيل وترعه. حنين لا يمس الروح ولا يريق الدموع، ولا يزلزل القلب.

ربما ينساك “الوطن”

فهو مشغول بملايين غيرك، يفكر يوميًا في تهذيبهم وتأديبهم وتعليمهم كيف يقفون في طابور واحد، ويصطفون خلف إمام واحد، أو قائد واحد، أو معلم واحد.

يغرس فيهم قيم الاسرة، ومبادئ الأخلاق والفضيلة، ويأمرهم بالصبر وطول البال، ويعدهم بالفرج قريبًا، وربما يحدد لهم مواعيد تحقيق أحلامهم التي لا تأتي أبدًا.

قد ينساك “الوطن”، لأنه كبير وقديم مثل العالم

ولأنه مركز الكون، محاط بالأعداء والمتآمرين والطامعين، وعليه أن يضمن الأمن والأمان لملايين غيرك.

أو على الأقل يعدهم بجنات عدن في الآخرة إذا هم صبروا وتحملوا وصانوا العهود والتزموا بالأخلاق والفضيلة وقيم الأسرة، والإخلاص والوفاء لـ “اتحاد ملاك الوطن” وأبنائهم وحاشياتهم.

وعندما تصير شيخًا عجوزًا، يداهمك الحنين، مثلما تداهمك أمراض القلب والشرايين وأوجاع المفاصل.

لا أحد حتى الآن، من الفلاسفة والمفكرين وحُكماء الطب، أخبرنا عن الحنين.

كلهم يلفون ويدورون، يسردون التاريخ والأحداث ويربطونها جيدا مع بعضها البعض، يتوغلون في النفس البشرية، بالكلمة تارة، وبالمشرط تارة أخرى، لكنهم لم يخبرونا أبدًا من أين يأتي الحنين.

حنين الشيوخ الذين غادروا “الوطن” وهم في فورة الشباب، وزرعوا في أرض أخرى أكثر أمانًا وطيبة ومودة، فنبت لهم فيها أولاد وأحفاد، يجلسون بينهم يدبرون الأمور ويضحكون ويتسامرون ويجهزون للاحتفالات بالأعياد. وفجأة تفر دمعة.

هذا هو الحنين، واللعنة والألم.

إنه الثمن الذي كنت تدفعه يوميا من دمك وصحتك وذاكرتك، من دون أن تشعر بأنك تسدد دينَّا ثقيلًا، ولم يتبق منه إلا تلك الدمعة التي تعيدك مرة أخرى إلى الساقية والأرض وبذور القمح.

إلى الزقاق والحارة وذكريات الطفولة، إلى ملامح الأصدقاء الذين رحلوا وتوقفت ملامحهم عند آخر مرة رأيتهم فيها هناك في عُمق الزمن.

ربما، وقد، ينساك “الوطن” لسبب أو لآخر.

لكن لعنتك ترافقك، مع حقيبتك وجواز سفرك القديم، ورائحة ثيابك التي أصبحت لا تناسب مقاسك، ولا تمنحك الخلاص.

تتحول إلى نصل حاد ينغرس في روحك، في أي لحظة، ليجعلك تنهنه وتئن مثل عصفور غادرته أمه قبل قليل، ولم تعد.

تخفي دمعتك، تمسحها بسرعة وتحاول النهوض تخذلك قدماك.

يبحلق حفيدك في وجهك، يمد كفه الصغيرة ليساعدك. فتسقط دمعة أخرى حارقة، ربما لتطفئ لهيب الأولى.

وربما من أجل أن يتحوَّل المشهد إلى كوميديا عن الجد العجوز الذي يبكي من فرط سعادته بأسرته الكبيرة الملتفة حوله، أو من شدة ضعفه وألم مفاصله.

تكتشف متأخرًا أنك، وإن غادرت “الوطن” فهو لا يغادرك.

يظل يتابعك كظلك، يتحين اللحظة المناسبة للقفز هناك، في تلك المنطقة البعيدة المجهولة في روحك.

ربما تكون مفردة “القفز” هنا غير مناسبة وغير كافية، وغير صالحة أصلا، فالوطن ليس خارجك ليقفز إلى روحك.

ربما تكون لفظة “التجلي” هي الأصلح، لأن “الوطن” كامن هناك حيث “الحنين”

ذلك المصدر المجهول الذي يدر تلك الدمعة العابرة التي تلاحظها حفيدتك، فتنظر إليك في حيرة وقلق، وتأخذ رأسك بين كفيها الصغيرتين وتضمه إلى صدرها بحنين أم

 

شارك المقال: