مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: مصر، حين كان التاريخ يتعلم المشي (كانت الحضارة)

الأرض وحدها لا تصنع حضارة، فالذي صنع الحضارة هو العقل الذي نظم الماء، وقسم الحقول، ووضع القانون، وأقام الدولة، وآمن بأن النظام هو المعجزة الحقيقية.

مشاركة:
حجم الخط:

قبل أن تتعلم الإمبراطوريات كيف تحكم، وقبل أن تعرف المدن كيف تُشيد، كان النيل ينساب في هدوء، وعلى ضفتيه كان المصري القديم يكتب أول سطر في كتاب الحضارة.

حين قرأت ما كتبه ويل ديورانت عن مصر، شعرت أنه ما كان يكتب تاريخ أمة، وإنما كان يكتب قصة ميلاد الإنسان نفسه، وكأن الحضارة، وهي تبحث عن موطنها الأول، توقفت طويلًا عند ضفاف النيل، ثم قالت: من هنا أبدأ.

إبراهيم القاضي يكتب: حين اشتد عود الدولة

إبراهيم القاضي يكتب: مصر الوطن الذي يصنع الحكام

ما كانت مصر أول دولة فحسب

إنما كانت أول فكرة عظيمة انتصرت على الفوضى، ففي كل عام كان النيل يفيض، ثم ينحسر، فيترك وراءه أرضًا خصبة، غير أن الأرض وحدها لا تصنع حضارة، فالذي صنع الحضارة هو العقل الذي نظم الماء، وقسم الحقول، ووضع القانون، وأقام الدولة، وآمن بأن النظام هو المعجزة الحقيقية.

ولهذا انبهر ديورانت بالإنسان الذي شيد الأهرامات أكثر من انبهاره بالحجارة نفسها، فالحجارة لا ترفع نفسها، والتماثيل لا تنحت نفسها، والتاريخ لا يصنعه إلا شعب آمن بالعمل، وصبر على الزمن، وترك للأجيال رسالة تقول إن الخلود لا يُنال بالقوة، وإنما بالإبداع.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن المصري القديم ما كان أسير الموت، كما صوره البعض، بل كان عاشقًا للحياة، زرع وغنى، ورقص واحتفل، ورسم على جدران المعابد تفاصيل يومه العادي، صيادًا يطارد الطيور، وفلاحًا يحصد القمح، وأمًا تحتضن طفلها، وكان يؤمن أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن الجمال جزء من العبادة.

ومن هنا جاء سر مصر الحقيقي

ما كانت حضارة سيف، وإنما حضارة قلم، ما كانت حضارة غزو، وإنما حضارة بناء، علمت العالم أن الدولة ليست جيشًا فقط، وإنما إدارة، وعدالة، وتعليم، واحترام للقانون، وما زالت البشرية، بعد آلاف السنين، تعيش على كثير من الأفكار التي خرجت من تلك الأرض.

وربما لهذا قال ديورانت، إن الحضارة نهر طويل، وكل أمة تضيف إليه قطرة، غير أن مصر منحت هذا النهر منبعه.

ولذلك، كلما وقف الإنسان أمام معابد الأقصر

أو تأمل هدوء أبي الهول، أو قرأ سطور البرديات، فإنه لا يرى آثارًا صامتة، وإنما يسمع صوت حضارة ما زالت تهمس للعالم:

إن الأمم العظيمة لا تُقاس بما تملك، وإنما بما تمنحه للإنسانية.

رحلت دول كثيرة، وسقطت عروش لا حصر لها، غير أن مصر بقيت، بقيت لأنها ما اكتفت بصناعة التاريخ، وإنما شاركت في صناعة الإنسان نفسه، وتلك، في النهاية، أعظم حضارة يمكن لأمة أن تهديها إلى العالم.

شارك المقال: