مقال بوك
د. محمد المهدي
د. محمد المهدي

أستاذ الطب النفسي

د. محمد المهدي يكتب: ماذا ربحت مصر من مونديال 2026؟

أول هذه المكاسب أن مصر وصلت لأول مرة في تاريخها إلى هذا المستوى المتقدم من المنافسة العالمية

مشاركة:
حجم الخط:

في حسابات كرة القدم خرج منتخب مصر من مونديال 2026 من دور الستة عشر بعد مباراة درامية أمام الأرجنتين، لكن في حسابات الشعوب قد تكون بعض الهزائم أكبر من مجرد نتيجة، وقد تحمل من المكاسب ما يفوق أحيانًا قيمة الانتصار نفسه.

أول هذه المكاسب أن مصر وصلت لأول مرة في تاريخها إلى هذا المستوى المتقدم من المنافسة العالمية.

لقد أثبت المنتخب المصري أنه قادر على الوقوف ندًا أمام كبار العالم، وأن الفجوة التي كانت تبدو يومًا مستحيلة ليست قدرًا أبديًا.

وهذا في حد ذاته مكسب نفسي وحضاري مهم، لأنه ينقل المجتمع من عقلية التبرير إلى عقلية القدرة والإنجاز.

د. محمد المهدي يكتب: ماذا حدث داخل العقل المصري أمام الأرجنتين؟

والمكسب الثاني ربما كان الأهم اجتماعيًا

فقد اجتمع المصريون حول فريقهم القومي بصورة لم نشهدها منذ سنوات طويلة. اختفت – ولو مؤقتًا – الانقسامات السياسية والفكرية والرياضية، وتوحد الناس خلف علم واحد وفريق واحد وحلم واحد.

وفي زمن تتكاثر فيه أسباب الفرقة والانقسام، جاءت كرة القدم لتذكر المصريين بأن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.

كما أعاد المونديال إحياء مشاعر الانتماء والهوية الوطنية.

فقد شعر كثير من الشباب للمرة الأولى بأنهم جزء من قصة وطنية مشتركة يتابعها العالم كله. وعادت الأعلام المصرية إلى الشوارع والشرفات والمقاهي، وعاد الشعور بالفخر الوطني بعيدًا عن المبالغات والشعارات، بل مستندًا إلى إنجاز حقيقي على أرض الواقع.

ومن الدروس المهمة التي قدمها المونديال أيضًا سقوط بعض الصور المثالية التي يحملها كثيرون عن الغرب.

فقد تابع الملايين الجدل حول التحكيم والتغطيات الإعلامية والمواقف المختلفة، واكتشفوا أن المجتمعات الغربية، رغم ما حققته من تقدم، ليست مجتمعات ملائكية خالية من المصالح والانحيازات والأخطاء.

وهذا الإدراك مهم لأنه يحرر العقل من عقدة الانبهار، دون أن يدفعه إلى الكراهية أو الرفض، فالتقدم الإنساني يؤخذ منه ما يفيد مع الاحتفاظ بالكرامة والهوية..

لقد نجح المنتخب أيضًا في جمع الشعوب العربية حول هدف واحد ومشاعر واحدة.

من المحيط إلى الخليج كانت الجماهير العربية تتابع وتشجع وتفرح وتحزن مع المنتخب المصري، وكأنها تستعيد لحظات نادرة من التضامن الوجداني العربي الذي تراجعت مساحاته في السنوات الأخيرة.

أما الدرس النفسي الأكبر فقد جاء من لحظات الخسارة نفسها.

فقد تعلمنا أن النصر لا يتحقق إلا مع صافرة النهاية، وأن الاقتراب من الهدف لا يعني بلوغه.

النجاح يحتاج إلى صبر حتى اللحظة الأخيرة، وإلى يقظة دائمة تمنع الوقوع في فخ الاطمئنان المبكر.

وتعلمنا أيضًا قيمة الثبات الانفعالي في مواجهة الظلم أو الشعور بالظلم.

فالغضب مفهوم، والاحتجاج حق، لكن القدرة على ضبط النفس والاستمرار في الأداء رغم الإحباط هي التي تصنع الأمم الكبيرة والفرق الكبيرة والأفراد الكبار.

لهذا كله، قد يكون المنتخب المصري قد غادر المونديال، لكنه ترك وراءه مكاسب نفسية ووطنية وثقافية ستبقى أطول كثيرًا من نتيجة مباراة.

فالإنجاز الحقيقي ليس فقط فيما حققناه داخل الملعب، بل فيما تعلمناه خارجه، وفي الإيمان الجديد الذي ولد لدى ملايين المصريين بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا أحسنا الإعداد، واستمررنا في الكفاح حتى آخر دقيقة .

 

شارك المقال: