الرياضة

ترجمات: فرق كأس العالم

لقد كشف دور خروج المغلوب في كأس العالم 2026 عن نمط ظل يتبلور على مدى عقود

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: بول تيامبي زيليزا

 كنت برفقة عدد من الأصدقاء نتابع بشغف مباريات دور خروج المغلوب في كأس العالم؛ حيث خسرت غانا بصعوبة أمام كرواتيا بنتيجة (2-1) فيما حققت جمهورية الكونغو الديمقراطية فوزًا مثيرًا على أوزبكستان بنتيجة (3-1).

وخلال متابعة هذه المباريات

بدا من المستحيل تجاهل حقيقة أن المواهب الإفريقية والمنحدرة من أصول إفريقية باتت تشكل العمود الفقري للمنافسة في البطولة.

لقد كشف دور خروج المغلوب في كأس العالم 2026 عن نمط ظل يتبلور على مدى عقود.

فمع تقلص عدد المنتخبات المشاركة من 48 منتخبًا إلى 32، أظهرت مرحلة الإقصاء المباشر جغرافيا متعددة الطبقات للحضور الإفريقي والمنحدرون من أصول إفريقية في البطولة.

وفي قلب هذه الجغرافيا تقف المنتخبات الإفريقية التسعة التي بلغت هذا الدور، وهي:

الجزائر، وكيب فرد، وكوت ديفوار، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومصر، وغانا، والمغرب، والسنغال، وجنوب إفريقيا.

ويعكس هذا الحضور عمق التطور الذي بلغته كرة القدم الإفريقية، بفضل منظوماتها المحلية التي تستند إلى الشعبية الجارفة للعبة في القارة، فضلًا عن الخبرات التي يكتسبها اللاعبون الأفارقة من احترافهم في مسابقات الدوري الأوروبية والآسيوية.

: BBC محمد صلاح يقود مصر إلى إنجاز تاريخي في كأس العالم

مصر تكتب التاريخ في كأس العالم 2026

ويحيط بهذا القلب الإفريقي فضاء أطلسي أوسع يمتد عبر القارتين الأمريكيتين.

فالولايات المتحدة وكندا وصلتا إلى الأدوار الإقصائية بتشكيلات تضم عددًا كبيرًا من اللاعبين المنحدرين من أصول إفريقية وإفريقية-كاريبية، الذين يشكلون عنصرًا حاسمًا في القوة البدنية والمرونة التكتيكية لمنتخبيهما.

كما تمثل منتخبات هايتي وبنما وكوراساو ثقافات كروية متجذرة في التاريخ الإفريقي-الكاريبي والإفريقي-اللاتيني.

أما في أمريكا الجنوبية، فلا تزال منتخبات البرازيل وكولومبيا والإكوادور تعتمد بصورة كبيرة على المجتمعات المنحدرة من أصول إفريقية، التي أسهمت في تشكيل الهوية الكروية لهذه الدول عبر أجيال متعاقبة.

وبهذا، يتشكل قوس واسع من التأثير الإفريقي يمتد عبر نصف الكرة الغربي.

أما أوروبا، فتجسد هذا النمط من خلال مسار تاريخي مختلف.

إذ تعتمد منتخبات فرنسا وإنجلترا وبلجيكا وهولندا وألمانيا والبرتغال وسويسرا وإسبانيا على لاعبين من أصول إفريقية وإفريقية-أوروبية لتوفير العمق البدني والإبداع الفني والتطور التكتيكي.

ويؤكد ذلك أن الإرث الإفريقي أصبح جزءًا بنيويًا من كرة القدم الأوروبية في أعلى مستوياتها، ولم يعد مجرد استثناء أو ظاهرة عابرة.

وفي غرب آسيا، أو ما يُعرف في الخطاب الغربي بالشرق الأوسط، تتجلى طبقة أخرى من هذا التأثير، ترتبط بعلاقات تاريخية ضاربة في القدم بين المنطقة وشمال شرق إفريقيا.

فقد بلغ المنتخب السعودي دور خروج المغلوب معتمدًا على لاعبين بارزين من أصول إفريقية، مثل سعود عبد الحميد، ومحمد كنو، ومحمد العويس.

ويعكس حضورهم قرونًا من الحركة البشرية والتبادل الحضاري عبر البحر الأحمر، والتي ما زالت تؤثر في التركيبة السكانية والثقافة الرياضية في المنطقة.

بل إن دولًا في الأمريكيتين طالما همشت أو أنكرت مكونها الإفريقي أصبحت اليوم مضطرة إلى إعادة النظر في هذا الإرث.

وتُعد المكسيك المثال الأبرز

فقد تحول خوليان كينيونيس من لاعب تعرض لهتافات عنصرية إلى أحد أبطال كأس العالم، بما جعل الحضور الإفريقي في المكسيك حقيقة يصعب تجاهلها.

ويكشف نجاحه عن تاريخ الأفرو-مكسيكيين الذي همشته روايات الهوية الهجينة (Mestizaje) كما يسلط الضوء على وجود لاعبين من أصول إفريقية في الدوري المكسيكي، وصعود مواهب مكسيكية-أمريكية سوداء تشكلت هويتها عبر العائلات العابرة للحدود.

لقد جعلت كأس العالم مرئيًا ما ظلت الدولة المكسيكية تتجاهله طويلًا، وهو أن الإرث الإفريقي ليس عنصرًا دخيلًا على المكسيك، بل هو جزء أصيل من ماضيها وحاضرها.

ومن ثم، يتضح أن المنتخبات غير الإفريقية التي بلغت دور خروج المغلوب تعتمد هي الأخرى، بدرجات متفاوتة، على لاعبين تنحدر جذورهم من إفريقيا أو من المجتمعات الإفريقية-الكاريبية والإفريقية-اللاتينية.

وهو ما يؤكد أن الإرث الإفريقي لم يعد استثناءً في كرة القدم العالمية، بل أصبح عنصرًا هيكليًا في تكوينها، يعكس قرونًا من الهجرات وتكوين الشتات الإفريقي، وتأثيره العميق في الثقافات الكروية الوطنية خارج القارة.

وفي نهاية المطاف، فإن أي منتخب سيرفع كأس العالم سيحقق ذلك بمساهمة لاعبين ترتبط جذورهم بإفريقيا بصورة أو بأخرى.

وهو ما يعكس مدى رسوخ المواهب الإفريقية والمنحدرة من أصول إفريقية في قلب اللعبة العالمية، ودورها المحوري في صناعة أمجاد كرة القدم الحديثة.

المصدر: 
المقال منقول من صفحة د. حمدي عبد الرحمن حسن أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية/ جامعة القاهرة، المتخصص في الدراسات الأفريقية وهو واحد من أكثر العارفين في مصر بالقارة السمراء

شارك المقال: