مقالات
محمد عطا
محمد عطا

خبير سياحي وأثاري

محمد عطا يكتب: معبد كلابشة إعمارْ أم دمارْ؟

المعبد الذي هو اول معابد النوبة و التي نزورها بمصاحبة السائحين لزيارة جميع المعابد التي تم انقاذها علي يد اليونيسكو وذلك بعد بناء السد العالي في اسوان

مشاركة:
حجم الخط:

مقال وتحقيق : محمد عطا
معبد كلابشة بين التخريبٌ المُمنهج بحجة الاعمار والخدمات
جريمة معبد كلابشة والاصرار علي تخريب اثار اجدادنا التي انقذها لنا منظمة اليونيسكو

بحجة “التطوير” يتم الاعتداءٍ على التاريخ والذاكرة

مشهدٍ صادمٍ عندما رأينا كمرشدين سياحين هذا المنظر المرعب الذي تم بنائه علي حين غفلة من اهلها ،واستيقظنا علي بنايتين من المنشآت ال خرسانية الحديثة بشكل يثير الاشمئزاز و بواجهات رمادية باهتة وتصميم هندسي رخيص، في محيط الرؤية الامامية المباشر لمعبد كلابشة التاريخي خلف السد العالي في مدينة أسوان اقصي صعيد مصر

ولا اجد هنا غير وصف واحد لهذا الا انه “التشويه المتعمد” لأحد أهم المعالم الأثرية ليس في مصر فقط، بل في العالم أجمع. وهو ” معبد كلابشة”

المعبد الذي هو اول معابد النوبة و التي نزورها بمصاحبة السائحين لزيارة جميع المعابد التي تم انقاذها علي يد اليونيسكو وذلك بعد بناء السد العالي في اسوان و لانقاذها جميعا من الغرق والتي كان في مجملها 12 معبدا ومنها اشهرهم علي الاطلاق وهو معبد ابو سمبل فالمعابد الصامدة ينقذها الاغراب ويضيعها الاصحاب، وقد صمدت هذه المعابد أمام فيضان النيل العظيم بعد نقله إنقاذاً من الغرق،

يبدو اليوم أنه قد وقع فريسةً لفيضانٍ بشري آخر آخر من الفشل الإداري والبناء العشوائ باسم “التطوير”. وفي الغالب لتحليل الاشياء يقومون بوضع اسم بدلا من اسم اخر .

معبد كلابشة المعبد المعماري العظيم في قلب صحراء النوبة

– معبد كلابشة والذي يعد تحفة معمارية فريدة في ذاتها ونقوشها تعود إلى عام 30 قبل الميلاد في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس، وتم بنائه لتكريس عبادة الرب النوبي ماندوليس ” حورس النوبة”

– الجدير بالذكر ان هذا المعبد مُسجل ضمن قائمة **اليونسكو للتراث العالمي** منذ عام 1979، و كجزء من مواقع النوبة الممتدة من أبو سمبل حتى فيلة . هذا التصنيف يضع المعبد تحت مظلة حماية دولية صارمة، تجعل أي تدخل غير مدروس فيه جريمةً في حق الإنسانية جمعاء وقد يضطر القائمون في منظمة اليونيسكو من حذفه من قائمة الاثار المحمية القديمة.

– موقع المعبد بعد الانقاذ: يقع المعبد في منطقة “باب الكلابة” خلف السد العالي، وهو موقع استراتيجي يطل على بحيرة ناصر ويحيط به طابع صحراوي جبلي فريد.

ثانياً : بدأت القصة عندما أعلنت وزارة السياحة والآثار بدء مشروع لتطوير الموقع

شمل إنشاء ممرات ومنشآت خدمية . لكن ما ظهر على الأرض كان كارثياً:

فوجد الجميع مباني خرسانية ضخمة، و بتصميم هندسي يناقض تماماً روح المكان، تقف في المحيط البصري للمعبد، امام واجهته الرئيسية بل تخفيها وتخفي جمال نقوشها وهي فاصلة للانسجام الظاهر بين الحجر الرملي القديم والطبيعة المحيطة

ثالثاً : الجريمة ليست في التطوير

بل في “العشوائية الممنهجة في السنوات الاخيرة بداية من العام 2010

المشكلة ليست في التطوير وبناء منشآت خدمية، فاي منطقة أثرية لا شك تحتاج للمرافق و الخدمات. ولكنها تكمن في تحديد المكان والشكل التصميمي و التخطيط والمنهجية .

رابعاً : التلوث البصري

المعبد كان يتمتع بإطار بصري مفتوح ينسجم مع الطبيعة الصحراوية والمائية المحيطة. وبعد بناء الابنية الشاذة والخارجة عن هذا الاطار التاريخي الاثري الحضاري، أصبحت شاذة بصرياً، تقطع التواصل البصري والاستمتاع للزائرين الذين دفعوا مبالغ طائلة لهذه الزيارة الخاصة بمعابد النوبة
فالوصول اليها ليس بطريقة معتادة كباقي المعابد
فيجب ان تصل الي معبد كلابشة عن طريق الباص ثم المرور اليها من خلال المراكب ذات المواتير الجرارة .

خامساً: المساحات كثيرة بجوار المعبد

السؤال الفاضح لمن نفذ هذا المشروع الم تكن ارض الله واسعة بجوار المعبد بعيدا قليلا حتي
تبنوا هذه البنايات الشاذة المشوهة للرؤية البصرية ؟

بالطبع السؤال يفضح سوء التخطيط المتعمد أو الناتج عن جهل فادح. فمنطقة كلابشة واسعة، ومحاطة بمساحات شاسعة من الأرض الصحراوية والصخرية كما ذكرنا انفاً والتي يمكن استغلالها لبناء أي منشآت خدمية بعيداً عن النطاق البصري المباشر للمعبد.

سادساً : الحلول التي يجب ان تؤخذ في الاعتبار:

اولا: التوقف نهائيا عن استكمال البناء بل وهدم ماتم بنائه علي الفور و إنشاء منطقة خدمات متكاملة على بعد مسافة آمنة، مع عمل ممرات مشاة تنسجم مع روح البيئة وملائمة لطبيعة المكان وروح الاثر.

ثانيا : “المحاسبة “تحول المسؤلين ومن قام بذلك الي التحقيق
لان من يفعل ذلك يريد ان يضر بمصر وليس فقط موضوع بناء امام اثر. فالاخبار سريعا ما تنتشر عالميا كما يصر بسمعة الاثار والسياحة المصرية وحذف الاثر من الحماية العالمية واليونيسكو

ثالثاً : تدخل وزير السياحة والاثار فبعدما كان يغوص ف صمت عجيب مما يحدث اذ به يخرج ليصرح ان من قام بذلك ليسوا من الوزارة ثم قال فيما نشرته له جريدة المصري اليوم بانه سيبقي علي المبني المقام علي اليمين ويقوم بنقل المبني المقام علي اليسار!
ياليته ظل صامتاً ! فهل هذا هو الحل!؟
رابعاً: يجب ان يتم التخطيط الصحيح اولا ببل البدء في بناء اي منشآت بجوار او جنب المعابد الا بعد الدراسة المستفيضة لذلك ولتجنب النقد وخسارة الاموال بعد البناء ثم الهدم . فلا داعي للتكلفة الكبيرة للبناء ثم للهدم .
فالتخطيط يوفر المال، وللاسف يري فيه المسؤلون تعطيلاً للإنجاز المنشود.

خامساً حادثة كلابشة ليست حالة شاذة، بل هي نموذج مصغر لما يحدث في اماكن اثارية وحضارية كثيرة في مصر : فمن قبل تم بناء البازارات والمحلات امام المعابد وايجارها من خلال وزارة الاثار…. بل وبناء الخراسانات امام معابد الكرنك وادفو وكوم امبو الي اخره وبحجة الانشاء والتطوير ؟! اي تطوير في هذا للاثر ؟
والسؤال الان هل حققت هذه البنايات العائد المادي من هذا التشويه ام هو تشويه لاجل التشوية ؟

و الإجابة بالطبع لا. بل على العكس،فالخسائر فادحة وفاضحة ، فالتكاليف مزدوجة ، والصورة الذهنية مشوهة ، وتهديد التصنيف العالمي لليونيسكو ، بل وفقدان ثقة المواطن في قرارات حكومته تلقاء التراث البشري والحضارة الانسانية

وفي النهاية :

نقول ” ارفعوا أيديكم عن حضارة واثار مصر العالمية لانها حضارة الانسانية جمعاء وملك محلي و عالمي. ونقول ياسادة مصر لا تحتاج مقاول معماري يبني سريعا ليربح بل تحتاج لمفكرين مهندسين معمارين لديهم الذوق الحضاري

ويجب فصل اماكن الخدمات عن الاثر تماما وانشائها بعيدا عن منطقة حرم الاثار

فمعبد كلابشة صمد الاف السنين امام الغزاة بل وأمام مياه النيل، فهل سنتركه نحن غريقاً في ظل الخرسانة . فليعلم الجميع ان كل حجر يُوضع بعقل، ومهنية هو بناء للوطن. وكل حجر يُوضع بعشوائية، وجهل هو هدّم لهوية.
“الا قد بلغت اللهم فاشهد “

 

شارك المقال: