آراء و تحليلات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

تحليل: هل تستخدم أمريكا النفط الروسي للضغط على الصين؟

يمثل هذا التصريح العاجل الصادر عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قمة البراغماتية الاقتصادية ولعبة التوازنات الكبرى التي تديرها الولايات المتحدة تحت النيران.

مشاركة:
حجم الخط:

تمديد السماح ببيع النفط الروسي 

وزير الخزانة الأمريكي: تمديد السماح ببيع نفط روسيا سيحد من قدرة الصين على تكديس النفط المباع بأسعار مخفضة

يمثل هذا التصريح العاجل الصادر عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قمة البراغماتية الاقتصادية ولعبة التوازنات الكبرى التي تديرها الولايات المتحدة تحت النيران.

رخصة تمديد الإعفاء 

فالقرار الأمريكي المفاجئ بإصدار رخصة عامة لتمديد الإعفاء من العقوبات على النفط الروسي العالق في البحر لمدة ثلاثين يوماً إضافية بعد انتهاء الإعفاء السابق في 16 مايو،

يكشف عن إدارة شديدة التعقيد للصراع الدولي، حيث تتحول الطاقة إلى أداة جيوسياسية لإعادة تشكيل موازين القوى.

ورغم التناقض الظاهري في أن واشنطن تسمح ببيع نفط خصمها، أي روسيا، فإن القراءة الاستراتيجية والاقتصادية لهذا القرار تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية:

أولاً: سحب ميزة “التخزين الاحتكاري” من الصين

بسبب العقوبات المفروضة على موسكو، كانت شحنات النفط الروسي العالقة تُباع بخصومات هائلة وأسعار منخفضة للغاية بحثاً عن مشترين.

وكانت الصين المستفيد الأكبر من هذه الفوضى إذ استغلت الوضع لتكديس ملايين البراميل من النفط الروسي الرخيص وبناء احتياطي استراتيجي ضخم يعزز أمنها الاقتصادي ويقوي موقعها التفاوضي عالمياً.

تمديد السماح نحو الأسواق المفتوحة 

الخطة الأمريكية هنا تقوم على إعادة توجيه هذه الإمدادات نحو الأسواق المفتوحة والدول الأكثر هشاشة في قطاع الطاقة، بدلاً من تركها تتدفق حصرياً نحو المخازن الصينية.

واشنطن تريد حرمان بكين من ميزة الاستفراد بالنفط الروسي الرمادي وتحويله إلى ورقة قوة استراتيجية في مرحلة ما بعد قمة بكين.

ثانياً: امتصاص صدمة هرمز وحرب إيران

تأتي هذه الخطوة أيضاً كأثر مباشر للتصعيد الجاري مع إيران، والتهديدات المرتبطة بـ مضيق هرمز، حيث تعاني الأسواق العالمية بالفعل من اضطراب الإمدادات وارتفاع مستويات القلق.

قلق من ارتفاع أسعار النفط 

فلو بقيت عشرات الناقلات الروسية محاصرة بالعقوبات في عرض البحر، لكانت أسعار النفط مرشحة للقفز إلى مستويات خطيرة قد تتجاوز 110 دولارات للبرميل، الأمر الذي يهدد الاقتصاد العالمي ويصيب الدول الحليفة والفقيرة بأزمة طاقة خانقة.

لذلك، يبدو الإعفاء الأمريكي بمثابة “صمام أمان” لتثبيت الأسواق ومنع الانفجار السعري، بحيث تضمن واشنطن استمرار تدفق هذه البراميل إلى الأسواق العالمية، بالتوازي مع استمرار ضغطها العسكري والسياسي ضد طهران.

ثالثاً: حماية الدول الهشة وتخفيف الاحتقان الدولي

وزير الخزانة الأمريكي أشار بوضوح إلى أن القرار جاء أيضاً استجابة لمناشدات دول نامية غير قادرة على تحمل تكاليف الطاقة في ظل الاضطرابات الحالية.

وهنا تحاول واشنطن تقديم نفسها بوصفها:

 مديراً للنظام الاقتصادي العالمي.
 وليس مجرد طرف في الصراع.

فهي تمنح مرونة تكتيكية مؤقتة لتجنب اتهامها بأنها السبب في “مجاعة طاقة عالمية”، وتسعى إلى تخفيف الاحتقان الدولي عبر إبقاء جزء من الإمدادات النفطية متاحاً للأسواق الأكثر ضعفاً.

الخلاصة

إنه تكتيك أمريكي يقوم على “ضرب عدة أهداف بحركة واحدة”.

واشنطن تمدد الإعفاء للنفط الروسي:

 ليس حباً بموسكو.
 بل لمنع التضخم العالمي الناتج عن أزمة إيران وهرمز.
 ولضمان استقرار الأسواق.
 وفي الوقت نفسه لتوجيه ضربة اقتصادية مبطنة إلى بكين، بحرمانها من احتكار النفط الروسي الرخيص وتكديسه كأداة قوة استراتيجية.

في هذا المشهد، لا تُدار الحروب بالصواريخ وحدها؛ بل عبر:

* حركة الناقلات.
* وأسعار الطاقة.
* والعقوبات.
* وإدارة الأسواق.

فالاقتصاد هنا لم يعد مجرد ملف مالي، بل تحول إلى أداة جراحية لإدارة الصراع القطبي العالمي.

شارك المقال: