د. أيمن نور يكتب: البابا شنودة الثالث
لم تكن لقاءات غرفة البابا الخاصة، التي يلتقي فيها ضيوفه قبل النزول إلى قاعة الكنيسة الكبرى، مجرد لقاءات لمجاملات بروتوكولية عابرة، بل كانت لحظات حوار صادق، وأحيانًا ساخن، حول مصر ومستقبلها،

صورة تعبيرية للمقال
الرجل الذي جمعني فجأة لأول وآخر مرة بـ جمال مبارك والسفير الأمريكي!
مع مرور الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، هناك وجوه قليلة في تاريخ مصر استطاعت أن تجمع بين الوقار الروحي، والبصيرة التاريخية، والذكاء المفرط، والحنكة السياسية، والروح الأدبية، وخفة الظل، في شخصية واحدة.
من بين تلك الوجوه يبرز البابا شنودة الثالث، البطريرك السابع عشر بعد المائة في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، رجلٌ لم يكن مجرد قائد كنسي، بل صفحة كاملة من التاريخ المعاصر.
ذاكرتي الشخصية مع البابا شنودة الثالث تمتد منذ بداية التسعينيات وحتى السنوات الأخيرة قبل رحيله في السابع عشر من مارس عام 2012.
لقاءات تكررت في مناسبات عديدة،
غير أن أغلبها كان في احتفالات السابع من يناير، عيد الميلاد المجيد لدى الأقباط الأرثوذكس، حيث تتحول الكاتدرائية في تلك الليلة إلى فضاء وطني واسع يلتقي فيه المصريون على اختلاف مواقعهم واتجاهاتهم.
لم تكن لقاءات غرفة البابا الخاصة، التي يلتقي فيها ضيوفه قبل النزول إلى قاعة الكنيسة الكبرى، مجرد لقاءات لمجاملات بروتوكولية عابرة، بل كانت لحظات حوار صادق، وأحيانًا ساخن، حول مصر ومستقبلها، وحول العلاقة الدقيقة التي تربط بين الكنيسة والدولة والمجتمع في بلد عريق مثل مصر.
حين زار البابا شنودة الثالث دائرتي الانتخابية في باب الشعرية بدعوة مني.
عُقد اللقاء في مدرسة التوفيق القبطية، وكان يديرها آنذاك الأستاذ المناضل جورج إسحاق.
لم يكن اللقاء مجرد زيارة رمزية، بل محاولة لفتح مساحة هادئة للحوار في وقت كانت بعض الخلافات تتصاعد داخل المجتمع القبطي.
سنوات التسعينيات شهدت توترات بين الكنيسة وبعض الرموز القبطية المدنية، وفي مقدمتهم المفكر المصري الكبير ميلاد حنا، إضافة إلى صديقي الأستاذ جورج إسحاق.
الاختلافات الصامتة كانت تدور حول دور الكنيسة وحدود العمل المدني، وحول العلاقة بين المؤسسة الدينية والحياة العامة.
البابا شنودة الثالث كان يمتلك قدرة فريدة على إدارة الخلافات دون تنازلات.
لم يكن سهلاً، ولا رجل مواجهات صاخبة، بل رجل إدارة محترفة للأزمات. يستمع طويلًا، ثم يتكلم قليلًا، لكن كلماته كانت غالبًا تحسم النقاش لصالحه.
كثيرون لا يتذكرون أن البابا شنودة الثالث بدأ حياته صحفيًا قبل الرهبنة،
كان يكتب في جريدة الجمهورية باسم نظير جيد، وهو اسمه قبل الحياة الرهبانية. تلك الخبرة الصحفية تركت أثرًا واضحًا في لغته وثقافته وأسلوبه في الإقناع والتعبير، فضلًا عن أنه كان شاعرًا مبدعًا يحفظ الشعر ويكتبه قبل أن يكون بطريركًا وقائدًا كنسيًا.
تكوينه العلمي كان له أيضًا أثر بالغ في رؤيته للأحداث. فقد تخرج في كلية الآداب – جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقًا) قسم التاريخ عام 1947.
دراسة التاريخ لم تكن بالنسبة إليه مجرد تخصص جامعي، بل نافذة لفهم مصر في تحولات قرن كامل.
ذلك الشغف بالتاريخ جعله شديد الاهتمام بسيرة أحد أعظم بطاركة الكنيسة القبطية في العصر الحديث، وهو الأنبا كيرلس الخامس، الذي شارك في ثورتين وتعرض للنفي من البلاد بقرار من الخديوي.
فقد شارك في ثورة عرابي، وكان يحضر بعض اجتماعات أحمد عرابي مع الأعيان، كما شهد أيضًا أجواء ثورة 1919، وجلس على الكرسي المرقسي في زمن كانت مصر تعيش فيه تحولات سياسية عميقة.
أزمة كبيرة نشبت في زمن الأنبا كيرلس الخامس حول المجلس الملي، وهو مجلس مدني أُنشئ لإدارة شؤون الأوقاف والتعليم القبطي.
سبب الأزمة كان دعم رئيس الوزراء آنذاك بطرس غالي باشا لفكرة توسيع دور المجلس، باعتبارها خطوة إصلاحية تمنح الأقباط دورًا مدنيًا أوسع في إدارة شؤونهم.
غير أن الأنبا كيرلس الخامس رأى في ذلك مساسًا بسلطة الكنيسة الروحية، واعتبر أن تدخل المجلس الملي في شؤون الكنيسة يهدد استقلالها.
تصاعد الخلاف بينه وبين السلطة السياسية حتى صدر قرار بنفيه خارج البلاد.
الأزمة تحولت إلى قضية رأي عام داخل المجتمع المصري،
وانقسم الأقباط أنفسهم بين مؤيد لـ المجلس الملي ومناصر لسلطة البطريرك.
حل الأزمة جاء لاحقًا عندما تولى رياض باشا رئاسة الحكومة، حيث لعب دورًا مهمًا في تهدئة الخلاف وإعادة الأنبا كيرلس الخامس إلى موقعه ومكانته، في واحدة من أبرز وقائع العلاقة بين الكنيسة والدولة في تاريخ مصر الحديث.
البابا شنودة الثالث كان يستحضر تلك الواقعة التاريخية كثيرًا، وربما وجد فيها صدى لتجربته الشخصية مع السلطة السياسية في عصر مختلف.
عام 1981 شهدت مصر واحدة من أكثر اللحظات توترًا في العلاقة بين الكنيسة والدولة، عندما قرر الرئيس أنور السادات فرض الإقامة الجبرية على البابا شنودة الثالث في دير الأنبا بيشوي ضمن قرارات سبتمبر الشهيرة.
سنوات الإقامة في الدير لم تضعف مكانته داخل المجتمع القبطي،
بل زادت من حضوره وتأثيره. وعندما عاد إلى كرسيه البابوي عام 1985 بقرار من الرئيس حسني مبارك، كانت الكنيسة قد خرجت من تلك الأزمة أكثر تماسكًا.
التاريخ هنا يكاد يعيد نفسه بطريقة مختلفة؛ صراع حول حدود السلطة بين الكنيسة وبعض النخب المدنية، وصدام مع الدولة حول موقع المؤسسة الدينية في المجال العام.
كيرلس الخامس واجه المجلس الملي والسلطة الخديوية، وشنودة الثالث واجه توترات مع بعض الرموز القبطية المدنية ومع السلطة السياسية في لحظات مختلفة.
شخصية البابا شنودة الثالث كانت مزيجًا نادرًا من الروحانية والثقافة والحكمة السياسية.
شاعر، مفكر، معلم، ومصري خفيف الظل يعرف متى وأين يقول النكتة الموحية دون إخلال بالوقار. امتلك كاريزما نادرة لقائد يعرف أن إدارة الكنيسة في مصر ليست شأنًا دينيًا خالصًا، بل مسؤولية وطنية ترتبط بتاريخ البلاد وتوازناتها.
في إحدى احتفالات عيد الميلاد في السابع من يناير، جمعتني به لحظة حديث ودي في القاعة الكبرى للاحتفال، بعد أن فوجئت يومها بوضع الكرسي الخاص بي في القاعة إلى جوار كرسي جمال مبارك على يميني وكرسي فرانك ويزنر، السفير الأمريكي، على يساري.
فقلت للبابا وأنا أصافحه مازحًا:
هذا كمين يا قداسة البابا!
فرد ضاحكًا:
كمين لك أم لهم؟
تلك اللحظات البسيطة تختزن في ذاكرتي ما لا تختزنه صفحات طويلة من التاريخ.
سنوات كثيرة مضت منذ تلك اللقاءات، غير أن الذاكرة ما زالت تحتفظ بصورة رجل يجلس بهدوء، يستمع أكثر مما يتكلم، وحين يتكلم تبدو عباراته كأنها خلاصة تاريخ طويل.
رحيل البابا شنودة الثالث في السابع عشر من مارس عام 2012 لم يكن مجرد نهاية حياة بطريرك للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل نهاية فصل مهم من فصول العلاقة بين الكنيسة والمجتمع والدولة في مصر الحديثة.
بعض الوجوه تغيب عن الحياة لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية. البابا شنودة الثالث كان واحدًا من تلك الوجوه التي لا تغيب.






