مقالات

1977 العام المر (11)

بقيت مظالم تبحث عن حل، والحلول في هذا المقام لا تأتي أمنية ولكن سياسية بإعلاء قيم المجتمع المدني وتطبيق القانون بحسم على الجميع

مشاركة:
حجم الخط:

البدايات التي لا تهم أحد

الحقيقة أن العلاقة المشتعلة بين الدولة ورأس الكنيسة ( اقرأ المقال السابق) قد تسببت فيها الدولة بدرجة أكبر وأعظم دور ” الزعامة السياسية ”  الذي أتهم الرئيس السادات  البابا بلعبه لم يسع إليه وإنما فرض عليه فرضا.

فالدولة أسلمت ملف  الأقباط للأجهزة الأمنية التي كانت تهرع نحو ” البابا” بعد كل حدث طائفي تسكينا للخواطر وطلبا للهدوء.

1977 العام المر (9)

1977 العام المر (10)

وبدا للجميع بوضوح ان الدولة قد تخلت عن دورها في البحث والتحري وإعمال القانون بحزم وقوة على مشعلي الفتنة ومنفذيها _ بل وتهاونت أحيانا _

فكان طبيعيا ان يلجأ الأقباط لكنيستهم ويرون فيها الحامي الطبيعي ومناط الحل والعقد ورد الحقوق بعد أن تخلت عنهم الدولة .

وبقيت مظالم تبحث عن حل، والحلول في هذا المقام لا تأتي أمنية ولكن سياسية بإعلاء قيم المجتمع المدني وتطبيق القانون بحسم على الجميع.

ولم يكن غريبا تمدد  الكنيسة بفروعها العديدة في الخارج.

ولم يعد مما يثير الدهشة أيضا ترديد  أقباط المهجر لذات دعاويها .

فالعلاقة الغير متكافئة بين الكنيسة والدولة تحتاج لأدوات ضغط من الطرف الأضعف _ وهو الكنيسة بالطبع أمام الدولة وأدواتها _ لرفع المظالم وتحقيق المطالب _

وكثير منها منطقي ومشروع، ومن المثير للعجب أن يستمر الجدل في حقوق طبيعية مشروعة مثل بناء دور العبادة، والمساواة في تولي الوظائف العامة على سبيل المثال.

الصراع بين الطرفين  الدولة والكنيسة  فضلا عن بروز وتمدد الجماعات المتسربلة برداء الإسلام، ادي إلى نمو التعصب بين الطوائف.

وبينما يتحدث الجميع عن الدولة المدنية نجد ان الغالبية الأعم بعيدين عنها تماما.

ذهبت روح الإعتدال بعيدا غير مأسوف عليها، وأصبح الإقصاء والنبذ والحرمان أيضا ممارس من الطرفين لكل من يطلب مراجعة الفكر والمنهج أو ينحو خطا او فكرا مستقلا.

من ربح فقط في تلك الحرب الخاسرة هي التيارات العلمانية المتطرفة التي وجدت المجال فسيحا إما عن فراغ عقائدي او عمد مؤسسي لتطعن في الثوابت ورواسخ العقائد .

وصار الطرفين مسلمين ومسيحيين يواجهان بدعاوي تجديد هي في حقيقتها حق يراد به باطل..

وهدم وإعادة تشكيل عقائد مستئنسة تردد خطاب السلطة وتتماهي معه وتنوع نغماتها على لحنه الرئيسي.

أصبحت صور  الشيخ و القس التي تظهر بعد كل إحتقان وحادثة طائفية تحت أضواء ” فلاشات” الكاميرات هي إفتعالا وتعبيرا عن الأزمة أكثر من كونها تجسيدا لواقع حميمية وسماحة روحية موجودة بالفعل.. وبدأ الحديث يزداد عن ” عنصري الأمة”..”شركاء الوطن”.. “الإخوة المسلمين” و” الإخوة الأقباط”و  “الوحدة الوطنية”.. ” النسيج الوطني”.

كان هذا الخطاب يقر و يعبر عن حالة إنفصام وإنفصال أكثر منه تعبيرا عن فضيلة التنوع.

الحديث يحمل تذكيرا لشئ قد تم نسيانه وتجاهله توكيدا هو نفيا في حد ذاته.

الحقائق رواسخ لا تحتاج لتأكيد، عندما تهتز إعلم أن شيئا قد أقتلع الجذور لذا يكثر الحديث عنها – أكثر الدول حديثا عن الديمقراطية هي أكثرها شمولية بالفعل –

هل كان السادات محقا وجادا في تطبيق ” الشريعة الإسلامية”

لا يحق لي أن أدخل في النوايا أو أحكم عليها، لكن مطالبات نواب الشعب  في عهده بتطبيقها تلاشت تماما بعد رحيله.

ربما أراد مكايدة ” البابا” وقد يكون فعل ذلك لكسب تعاطف الغالبية المسلمة والجماعات الدينية.

علينا أن نتذكر أنه عندما أراد تعديل المادة الثانية في دستور ١٩٧١ والتي ذكر فيها ” مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع” لتصبح ” مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”

تلك “ال” _ أداة التعريف _ التي أثارت ضجة وإحتجاجات كانت ضمن مواد أخرى مستفتي عليها في إستفتاء ٢٢ مايو ١٩٨٠.

منها المادة التي تسمح للرئيس الراحل بمدد رئاسية متعددة بعد أن قصرها دستور ١٩٧١ على مدتين فقط.

فهل كانت مادة الشريعة ام مادة مدة الرئاسة هي المعنية والمرامة من الإستفتاء؟

الإجابة في طيات المعنى وماتلا تلك الحقبة من أحداث.

الألف واللام زادا من حدة الإشتعال

والحقيقة أن الطرفين – مسلمين و مسيحيين _ينالان نصيبهما من المعاناة.

الفقر والجهل وغياب العدالة الإجتماعية ليس قاصرا على طرف دون الآخر.

وكان التناحر والشحناء عامل ضعف لكليهما في المطالبة بالحقوق المجتمعية للمواطن وحقه في الحياة الكريمة.

وما الجدوى التي يجنيها المواطن البسيط العادي من التبارز والطعن في عقيدة الآخر ومقدساته؟

ولكن الرحى تطحن الجميع، والمشهد الإنعزالي الطائفي المكتسب والذي يتمترس خلفه الجميع .

يتكرر بصورة أو بأخرى وبين فينة وآخري، الغالبية تصر على الخسارة وحرق الجسور.

وتبقي أصوات العقلاء والحكماء ضائعة في الفضاء، مترددة فيه كالصدي هدرا وهذرا.

وأسطورة المجتمع المدني التي يتشدق بها الجميع تلمع من بعيد.. وتبتعد كلما أقتربنا منها وتنقشع.. كالسراب لا يروي ظمأ.

هل كان هناك ثمة ما يميز دم ” المسلم” عن دم ” المسيحي” أثناء حروب الوطن؟

لعل الإجابة على السؤال تغني عن المقال.

شارك المقال: