مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

خبير تربوي

قراءة في المشهد: إلى أين تتجه الأمور؟

عد أكثر من خمسين يوماً من القتال، لم تنتهِ الحرب بعد، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً: مرحلة الجمود المسلح الممزوج بالمساومة على وقع الإغلاق والتهديد والتفاوض

مشاركة:
حجم الخط:

في فجر يوم 28 فبراير 2026، دوت الانفجارات في سماء طهران وأصفهان ومدن إيرانية عدة، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة في الشرق الأوسط.

أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة حملت اسمين معبّرين: «الغضب الملحمي» Epic Fury من الجانب الأميركي، وضربة استباقية من الجانب الإسرائيلي.

بعد أكثر من خمسين يوماً من القتال، لم تنتهِ الحرب بعد، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً: مرحلة الجمود المسلح الممزوج بالمساومة على وقع الإغلاق والتهديد والتفاوض تحت وطأة الحصار فإلى أين تتجه الأمور؟

نشأة الصراع من القصف إلى الجمود

في 28 فبراير، شنت القوات الأميركية والإسرائيلية ضربات جوية كثيفة استهدفت منشآت نووية وقواعد عسكرية ومراكز قيادة في عمق الأراضي الإيرانية.

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن العملية «لم تنتهِ بعد» محذراً من أن الأوضاع قد تشهد «مفاجآت» في أي لحظة.

ردت إيران بضربات انتقامية طالت قواعد أميركية وإسرائيلية في دول الخليج العربي، وأعلنت تعبئة شاملة.

اليوم، بعد ما يقارب سبعة أسابيع من بدء العملية، لم يعد المشهد كما بدا في البداية. التقييمات العسكرية الغربية تشير إلى أن إيران تمكنت، بفضل تخطيط مسبق، من تقليص الأضرار التي لحقت بترسانتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة.

يقول تقييم استخباراتي غربي إن طهران وزعت قاذفات صواريخها وبنيتها التحتية للمسيّرات في مواقع متفرقة في جميع أنحاء البلاد، كما طورت خططاً لتعويض القيادات التي سقطت في الضربات الأولى.

وبينما يعلن البنتاغون أن إيران «فقدت قدرتها القتالية لسنوات»، يرى بعض المسؤولين الغربيين أن الضربات الأميركية تحتاج إلى أسابيع إضافية لتحقيق أهدافها.

هذا الجمود العسكري هو السمة الأبرز للمرحلة الحالية: الجيش الأميركي يفرض حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، وإيران ما زالت تحتفظ بقدرة على الرد بالصواريخ والمسيّرات.

ورقة هرمز التي لا تسقط

بالتوازي مع المواجهة العسكرية، حوّلت إيران ممر هرمز المائي إلى سلاح استراتيجي. مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، أصبح ساحة مواجهة جديدة.

أغلقت إيران المضيق مراراً، ثم أعادت فتحه، قبل أن يعلن الحرس الثوري الإيراني، مساء السبت، إغلاقه مجدداً لحين رفع الحصار الأميركي.

هذه الخطوة لها انعكاسات مدمرة على الاقتصاد العالمي.

أسعار النفط قفزت إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل، فيما أعلنت شركات النفط الكبرى في قطر والإمارات والكويت تعرض إنتاجها لـ»قوة قاهرة».

بل إن الأزمة امتدت إلى الأمن الغذائي لدول الخليج، التي تستورد أكثر من 80% من غذائها عبر هذا الممر المائي.

باختصار، الجغرافيا أثبتت مجدداً أنها مجرد تفصيل ثانوي.

ماذا تريد الأطراف؟

الجمود الحالي ليس مجرد توقف مؤقت، بل هو انعكاس لتباين جذري في الأهداف.

أميركا تريد تحقيق ما لم يتحقق بعد: تفكيك القدرات النووية الإيرانية بشكل دائم، وتفكيك شبكة الصواريخ الباليستية، وضمان انفتاح مضيق هرمز.

طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائمة من 15 شرطاً للسلام، شملت إيقاف التخصيب في إيران لمدة 20 عاماً، ونقل المخزون من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، وتفكيك المنشآت النووية تحت الأرض.

إيران تريد، قبل أي شيء، البقاء تمكنت طهران من اجتياز المرحلة الأخطر بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.

القيادة الجديدة، بقيادة ابن خامنئي مجتبى، تظهر صلابة أكبر.

موقف طهران التفاوضي واضح: لا تسليم لليورانيوم المخصب إلى أميركا تحت أي ظرف، ولا تفريط بالحق في التخصيب للأغراض السلمية، ورفض أن تكون إيران استثناءً للقانون الدولي.

إسرائيل تريد تدمير التهديد النووي قبل فوات الأوان.

تصريحات نتنياهو تحمل نبرة مختلفة: «حققنا إنجازات عظيمة، لكن الحرب لم تنتهِ بعد».

إسرائيل تواصل عملياتها ضد «حزب الله» في لبنان، متهمة إياه بنقل أسلحة متطورة إلى جنوب لبنان، في إطار فصل جبهات القتال.

معركة المفاوضات: هل هناك أمل؟

وسط الرصاص، تتحرك الدبلوماسية. توسطت باكستان في محادثات بين واشنطن وطهران.

الإعلانات متناقضة: ترمب يقول إن إيران «وافقت على كل شيء تقريباً»، بينما يقول مساعدو وزير الخارجية الإيراني إن «المواقف لم تتغير».

الكشف الأهم: تتحدث المصادر عن اقتراح أميركي بـ»تبادل مالي»، حيث يتم تحرير 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة مقابل تسليم طهران مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

ترفض إيران ذلك علناً، لكن التسريبات تشير إلى إمكانية نقل جزء من هذا اليورانيوم إلى دولة ثالثة كحل وسط.

الخلاف الأساسي لا يزال حول مدة تجميد التخصيب: واشنطن تريد 20 عاماً، طهران تقبل بثلاث إلى خمس سنوات كحد أقصى، هذا الفارق الزمني يعكس انعدام الثقة بين الطرفين.

محمود عبداللطيف يكتب: لبنان ليس غزة القادمة؟

د. محمود عبد اللطيف يكتب: تفتيت المنطقة بالتطبيع!

محمود عبد اللطيف يكتب: أما السيادة أو الفوضى

حرب الوكلاء تنكشف

على الجبهة الأخرى، أثبتت إيران أنها تعلمت الدرس من صراعات الماضي. بعد بدء «الغضب الملحمي»، لم تكتف طهران بالرد عبر وكلائها، بل دخلت إلى المعركة مباشرة، معلنة أنها تقاتل تحت رايتها.

صحيح أن حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية دخلوا القتال، لكن إيران هذه المرة لم تنفِ مسؤوليتها.

الحوثيون، من جهة أخرى، أعلنوا رسمياً دخولهم الحرب، مستهدفين إسرائيل بالصواريخ والمسيّرات ومهددين الملاحة في البحر الأحمر.

الاقتصاد العالمي يدفع الثمن: دراسات تشير إلى أن سعر النفط قد يصل إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر الحوثيون في استهداف ناقلات النفط.

إلى أين تتجه الأمور؟

هناك ثلاث سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:

الأول: سيناريو الانهيار التصعيدي. إذا فشلت المحادثات الجارية حالياً وانتهت الهدنة دون تجديد، فقد نشهد موجة جديدة من القصف.

إيران قد ترد بإغلاق كامل للمضيق، أو باستهداف القواعد الأميركية في الخليج برد واسع.

الثاني: سيناريو الجمود الطويل قد يستمر الوضع الحالي لأسابيع أو أشهر، مع حصار بحري أميركي، ومضايقات إيرانية لحركة الملاحة، وهجمات محدودة عبر الوكلاء، مع استمرار القنوات الدبلوماسية مفتوحة على مصراعيها.

الثالث: سيناريو التسوية. يمكن أن يقود الضغط الاقتصادي وإرهاق الطرفين إلى صفقة ما.

قد تكون على مرحلتين: هدنة طويلة الأمد مقابل فتح المضيق، ثم اتفاق إطاري حول البرنامج النووي.

لكن حتى في حال تحقق هذا السيناريو، يبقى تنفيذه معقداً بسبب انعدام الثقة العميق.

الخلاصة: حرب لا تُحسم ولا تُطفأ

بعد خمسين يوماً من القتال، يمكن القول إن حرباً كبرى اندلعت بالفعل، لكن لم يحسمها أحد. أميركا لم تستطع إسقاط النظام أو تفكيك قدراته بالكامل، وإيران لم تستطع طرد القوات الأميركية من المنطقة أو كسر الحصار.

لكن الثمن باهظ: آلاف القتلى، اقتصاد عالمي مهتز، ومضيق هرمز الذي أصبح لعبة استراتيجية خطيرة. الأيام المقبلة ستكون حاسمة.

المفاوضات قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب حرب إقليمية شاملة. معركة الشرق الأوسط لم تنتهِ بعد — ربما هي فقط بدأت.

شارك المقال: