علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
الصحة
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

170 مليون طفل ومراهق يعانون السمنة.. إرشادات عالمية تغيّر قواعد العلاج

لا توصي منظمة الصحة العالمية باستخدام أدوية إنقاص الوزن للأطفال دون سن العاشرة. أما المراهقون بين 10 و19 عامًا، فيمكن النظر في استخدام الأدوية المعتمدة لهم تحت إشراف طبي، إذا لم تحقق برامج التغذية والنشاط البدني وتغيير السلوك النتائج المطلوبة. وتؤكد الإرشادات أن العلاج الأساسي يعتمد على الرعاية المتكاملة والدعم الأسري.

مشاركة:
حجم الخط:

هل يمكن علاج سمنة الأطفال بحقن التخسيس التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة؟

ومتى يصبح التدخل الدوائي ضروريًا بدلًا من الاكتفاء بالطعام الصحي والرياضة؟

حسمت منظمة الصحة العالمية جانبًا مهمًا من هذه الأسئلة بإصدار أول إرشاداتها العالمية المتكاملة

لعلاج السمنة لدى الأطفال والمراهقين، بعدما كشفت بياناتها أن 170 مليون طفل ومراهق كانوا يعانون السمنة

حول العالم في عام 2024، وسط تحذيرات من مضاعفات صحية ونفسية قد تبدأ مبكرًا وتمتد إلى مرحلة البلوغ.

حقن التخسيس للأطفال؟ الصحة العالمية تكشف قواعد جديدة لعلاج السمنة

تقرير صحي | الأحد 11 أكتوبر 2026

لم تعد سمنة الأطفال مجرد مشكلة تتعلق بزيادة الوزن أو المظهر الخارجي.

فقد تحولت إلى تحدٍّ صحي عالمي يهدد ملايين الأطفال والمراهقين بأمراض قد تلازمهم سنوات طويلة،

من بينها السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية.

ومع الانتشار الواسع لأدوية وحقن إنقاص الوزن، برز سؤال يشغل كثيرًا من الأسر:

هل يمكن استخدام هذه العلاجات للأطفال، أم أن مخاطرها تتطلب الابتعاد عنها؟

في محاولة للإجابة، أصدرت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء 7 أكتوبر 2026،

أول إرشادات عالمية متكاملة لعلاج السمنة لدى الأطفال والمراهقين.

وشملت الإرشادات وثيقتين منفصلتين؛ الأولى تتناول الأطفال دون سن العاشرة،

والثانية تختص بالمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا.

واللافت أن المنظمة لم تعتمد حلًا واحدًا لجميع الأعمار، بل وضعت توصيات مختلفة بشأن التغذية

والنشاط البدني والأدوية والجراحات، مع التأكيد أن الهدف الأساسي

هو تحسين صحة الطفل ونوعية حياته، وليس خفض وزنه بأي وسيلة.

المصدر الأصلي:

بيان منظمة الصحة العالمية

170 مليون طفل ومراهق.. أرقام تكشف حجم الأزمة

توضح البيانات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية أن انتشار السمنة بين الأطفال

والمراهقين شهد ارتفاعًا كبيرًا خلال العقود الماضية.

ففي عام 2024، كان نحو 400 مليون طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عامًا يعانون زيادة الوزن،

بينهم 170 مليونًا يعانون السمنة.

وتوزع الأطفال والمراهقون المصابون بالسمنة على فئتين عمريتين رئيسيتين؛ الأولى تضم 70 مليون طفل

تتراوح أعمارهم بين 5 و9 سنوات، والثانية تشمل 100 مليون مراهق تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا.

والأكثر إثارة للقلق أن معدل انتشار السمنة داخل هذه الفئة العمرية تضاعف أربع مرات منذ عام 1990،

بعدما ارتفع من 2% إلى 8% في عام 2024.

وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مقتصرة على بلدان أو مجتمعات بعينها، بل أصبحت تحديًا عالميًا

يستدعي استجابة صحية واجتماعية واسعة.

ومن المهم التمييز بين زيادة الوزن والسمنة؛ فالأرقام العالمية المتعلقة بالأطفال الذين يعانون زيادة الوزن تشمل

المصابين بالسمنة، ولا تمثل مجموعتين منفصلتين.

هل يمكن استخدام حقن التخسيس للأطفال؟

هذا هو السؤال الذي تناولته الإرشادات الجديدة بصورة مباشرة.

فقد أوصت منظمة الصحة العالمية بعدم استخدام أدوية إنقاص الوزن

أو جراحات علاج السمنة أو أجهزة التخسيس للأطفال دون سن العاشرة.

وبدلًا من ذلك، أعطت الأولوية للتدخلات التي تعتمد على التغذية الصحية والنشاط البدني

وتعديل السلوكيات اليومية، بمشاركة الأسرة ومقدمي الرعاية الصحية.

ويرتبط هذا الموقف بالحاجة إلى أدلة كافية بشأن سلامة العلاجات الدوائية

والجراحية وفعاليتها على المدى الطويل لدى الأطفال الأصغر سنًا.

وفي تقرير نشرته وكالة رويترز يوم 7 أكتوبر، أوضحت المنظمة أن الأدلة المتاحة بشأن بعض أدوية إنقاص الوزن الحديثة،

ومنها أدوية فئة GLP-1، لا تزال غير كافية لحسم آثار استخدامها طويلة الأمد لدى هذه الفئات العمرية.

غير أن ذلك لا يعني إصدار حظر قانوني عالمي على جميع الأدوية؛ فالإرشادات الطبية تختلف عن قرارات

الترخيص الدوائي التي تتخذها السلطات المختصة في كل دولة.

المصدر الصحفي:

تقرير رويترز

ماذا عن المراهقين؟ قواعد مختلفة للعلاج

لم تستبعد منظمة الصحة العالمية العلاج الدوائي لجميع من هم دون الثامنة عشرة.

فبالنسبة إلى المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا، تسمح الإرشادات

بالنظر في استخدام الأدوية المعتمدة لعلاج السمنة، ولكن وفق شروط محددة.

وأبرز هذه الشروط ألا يكون برنامج علاجي يجمع بين تعديل التغذية والنشاط البدني والسلوكيات،

تحت إشراف طبي، قد حقق النتائج المطلوبة.

كما يجب أن يكون الدواء معتمدًا للفئة العمرية المعنية، وأن يجري اختيار العلاج ومتابعته بواسطة مختصين.

وهذا يعني أن بلوغ الطفل العاشرة لا يجعله تلقائيًا مؤهلًا لاستخدام حقن التخسيس أو أي دواء آخر.

فالأمر يتوقف على حالته الطبية وشدة السمنة والاستجابة للعلاجات الأخرى، إضافة إلى ضوابط الترخيص وسلامة الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، أشارت المنظمة إلى إمكانية النظر في جراحات السمنة لبعض المراهقين

الذين يعانون حالات شديدة، ولكن ضمن شروط صارمة، وليس باعتبار الجراحة خيارًا علاجيًا اعتياديًا.

لماذا لا تعتبر الأدوية الخيار الأول؟

رغم النتائج التي حققتها بعض أدوية إنقاص الوزن لدى البالغين، فإن علاج الأطفال يتطلب اعتبارات مختلفة.

فالأطفال والمراهقون يمرون بمراحل نمو بدني ونفسي متغيرة، كما تختلف احتياجاتهم الغذائية والطبية باختلاف أعمارهم.

ولهذا ركزت منظمة الصحة العالمية على ضرورة تقييم فوائد الأدوية ومخاطرها،

ومدى توافر أدلة موثوقة بشأن نتائج استخدامها على المدى الطويل.

ونقلت رويترز عن الدكتورة لوز ماريا دي ريجيل، مديرة إدارة التغذية وسلامة الغذاء في المنظمة،

أن الأبحاث المتعلقة بفعالية أدوية GLP-1 وسلامتها لا تزال قيد المتابعة.

كما أوضحت التغطية أن بعض هذه الأدوية حصل بالفعل على موافقات لاستخدامات

محددة لدى المراهقين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لكن الموافقة على استخدام دواء لفئة عمرية معينة لا تعني ملاءمته لجميع المرضى أو إمكانية تناوله دون إشراف طبي.

ومن هنا، تشدد التوصيات على أن الدواء قد يكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة في حالات مختارة،

لكنه لا يحل محل تحسين العادات الغذائية والنشاط البدني والمتابعة المستمرة.

العلاج لا يبدأ من الصيدلية.. ماذا أوصت المنظمة؟

في مقابل الاهتمام المتزايد بأدوية التخسيس، وضعت منظمة الصحة العالمية مجموعة

من التدخلات الأساسية في مقدمة طرق علاج سمنة الأطفال.

وتشمل هذه التدخلات إعداد نظام غذائي مناسب للعمر والاحتياجات الصحية،

وزيادة النشاط البدني، وتقليل السلوكيات المرتبطة بقلة الحركة، وتحسين النوم، ودعم التغييرات السلوكية المستدامة.

كما أكدت أن البرامج العلاجية يمكن أن تُقدم بصورة فردية أو ضمن خطة متكاملة تجمع أكثر من تدخل.

وعلى صعيد التكنولوجيا، سمحت التوصيات بالنظر في استخدام أدوات الصحة الرقمية للمساعدة في العلاج،

بشرط وجود إشراف من الوالدين أو القائمين على رعاية الطفل.

لكن المنظمة شددت على أن هذه التدخلات ينبغي أن تراعي احتياجات كل طفل وأسرته، بدلًا من فرض برنامج موحد على الجميع.

كذلك يجب ألا يتحول العلاج إلى حرمان غذائي قاسٍ أو ضغط نفسي يضر بنمو الطفل وعلاقته بالطعام.

وبالتالي، فإن نجاح العلاج لا يقاس بسرعة فقدان الوزن وحدها، بل بتحسن الصحة

والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية وجودة الحياة.

خطر لا يظهر على الميزان.. السمنة والصحة النفسية

من الجوانب المهمة في الإرشادات الجديدة أنها لا تتعامل مع سمنة الأطفال باعتبارها مشكلة جسدية فقط.

فبحسب منظمة الصحة العالمية، قد يتعرض الأطفال والمراهقون المصابون بالسمنة للتنمر والوصم والتمييز،

ما يؤثر في ثقتهم بأنفسهم وصحتهم النفسية.

كما يمكن أن يرتبط القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات بسلوكيات غذائية غير صحية،

أو الانسحاب الاجتماعي، أو انخفاض مستوى النشاط البدني.

ولهذا دعت المنظمة إلى التعامل مع الجوانب النفسية والجسدية معًا، بدلًا من التركيز على الوزن بمعزل عن بقية الظروف.

ويعني ذلك أن تعليقات الأسرة الساخرة على وزن الطفل، أو مقارنته بإخوته وأصدقائه، لا تمثل أسلوبًا علاجيًا مناسبًا.

بل إن توفير بيئة داعمة، ومساعدة الطفل على تغيير عاداته دون إحراجه أو لومه،

يتسقان بصورة أكبر مع النهج الذي تتبناه الإرشادات الجديدة.

كما تؤكد المنظمة أهمية إشراك الأسرة في المتابعة، مع مراعاة المرحلة العمرية واحتياجات النمو.

كيف يعرف الآباء أن طفلهم يعاني السمنة؟

قد يعتقد بعض الآباء أن مظهر الطفل أو وزنه وحده يكفيان لتحديد إصابته بالسمنة.

لكن التشخيص لدى الأطفال يختلف عن البالغين.

فبالنسبة إلى الأطفال والمراهقين من 5 إلى 19 عامًا، يعتمد التقييم على مؤشر كتلة

الجسم مقارنة بالعمر والجنس، باستخدام المراجع المخصصة لنمو الأطفال.

أما الأطفال دون الخامسة، فيُستخدم تقييم النمو والوزن بالنسبة إلى الطول وفق المعايير العمرية المناسبة.

وبالتالي، لا يصح تطبيق حدود مؤشر كتلة الجسم المستخدمة لتشخيص السمنة لدى البالغين بصورة مباشرة على الأطفال.

كما أن تشخيص السمنة يحتاج إلى تقييم طبي يأخذ في الاعتبار نمو الطفل وتاريخه الصحي

وأي أمراض أو عوامل أخرى قد تؤثر في وزنه.

ولهذا يُفضل الرجوع إلى طبيب الأطفال عند وجود زيادة ملحوظة في الوزن أو تغير غير معتاد في مسار النمو،

بدلًا من الاعتماد على حاسبات الإنترنت أو وصفات التخسيس المتداولة.

هل يتحمل الطفل وحده مسؤولية إصابته بالسمنة؟

تحذر منظمة الصحة العالمية من اختزال المشكلة في تناول الطفل كميات كبيرة من الطعام أو عدم ممارسته الرياضة.

فالسمنة حالة معقدة تتأثر بعوامل بيولوجية وسلوكية واجتماعية وبيئية متعددة.

وتشمل هذه العوامل توافر الغذاء الصحي وأسعاره، وطبيعة البيئة المدرسية،

وفرص ممارسة النشاط البدني، وأنماط المعيشة داخل الأسرة.

كما تؤثر طبيعة المدن ووسائل النقل والمساحات العامة في قدرة الأطفال على الحركة وممارسة الأنشطة.

ولهذا تؤكد المنظمة أن جهود العلاج الفردي، مهما كانت أهميتها،

لن تكون كافية وحدها لوقف الارتفاع العالمي في معدلات السمنة.

وتدعو إلى سياسات تجعل الغذاء الصحي والنشاط البدني أكثر توافرًا وملاءمة من حيث التكلفة،

مع اتخاذ إجراءات في مجالات التعليم والتخطيط العمراني والنقل والحماية الاجتماعية.

وبذلك تنتقل المسؤولية من الطفل وأسرته وحدهما إلى المجتمع والمؤسسات والأنظمة الصحية أيضًا.

خمس خطوات عملية يمكن أن تبدأ بها الأسرة

تقدم الإرشادات الجديدة إطارًا يمكن أن تستفيد منه الأسر بالتعاون مع الطبيب،

دون الحاجة إلى اللجوء المباشر لأدوية إنقاص الوزن.

أولًا: تقييم طبي مناسب للعمر. تبدأ الخطوة الأساسية بالتأكد من طبيعة زيادة الوزن، ومراجعة نمو الطفل وحالته الصحية.

ثانيًا: تحسين العادات الغذائية للأسرة. يشمل ذلك توفير خيارات غذائية متنوعة ومتوازنة،

وتجنب التعامل مع الطعام بوصفه عقابًا أو مكافأة دائمة.

ثالثًا: تشجيع الحركة واللعب. من الأفضل اختيار أنشطة يحبها الطفل ويمكنه ممارستها بانتظام،

بدلًا من فرض تمارين مرهقة أو غير مناسبة لعمره.

رابعًا: الاهتمام بالنوم والصحة النفسية. تؤثر عادات النوم والضغوط النفسية في الصحة العامة والسلوكيات اليومية.

خامسًا: المتابعة المستمرة دون لوم. يحتاج تغيير السلوكيات إلى وقت، ولذلك تساعد المراجعة الطبية

المنتظمة والدعم الأسري على تقييم التقدم وتعديل الخطة عند الحاجة.

هذه الخطوات تطبيق عملي للمبادئ التي تؤكدها منظمة الصحة العالمية،

وليست وصفة علاجية موحدة أو بديلًا عن التقييم الطبي الفردي.

رسالة الصحة العالمية.. العلاج أكبر من مجرد خسارة الوزن

في ختام إرشاداتها، أكدت منظمة الصحة العالمية أن علاج السمنة ينبغي ألا يقتصر على خفض الأرقام الظاهرة على الميزان.

فالهدف يشمل تحسين الصحة البدنية والنفسية، وتعزيز قدرة الطفل على النمو والتعلم وممارسة حياته اليومية بصورة صحية.

كما شددت على أهمية الرعاية المستمرة، ومراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر،

وتوفير خدمات مناسبة للأطفال والمراهقين من مختلف الفئات.

ومع وصول أعداد المصابين بالسمنة إلى 170 مليون طفل ومراهق في عام 2024، تبدو الحاجة إلى التدخل المبكر أكثر إلحاحًا.

والرسالة الأساسية التي تقدمها الإرشادات الجديدة واضحة: لا يوجد علاج واحد يصلح لجميع الأطفال، ولا ينبغي أن تسبق أدوية التخسيس التقييم الطبي والرعاية الشاملة وتغيير السلوكيات بصورة آمنة ومستدامة.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك