مهدي علي يكتب: وغردت المدفعيه عند الظهيره (1)
بجانب ذلك كان الفريق أول عبد المنعم رياض قد حضر وذهب برفقة اللواء عدلى إلى المواقع المتقدمه فى الاسماعيليه

صورة تعبيرية للمقال
هل تخيلت يا بنى كيف تعيش فى ميدان القتال
كنت فى العشرينيات من عمرى حين ذهبت الى ميدان القتال لاول مره، و قد التحقت بالمعاونه الجويه للجيش الثانى الميدانى.
كان اليوم شتوى ممطر، وذهبت إلى الأسماعيليه نزلت فى بلدة نفيشه القريبه من الإسماعيليه.
ثم توجهت إلى معسكر الجلاء وبمجرد دخوله شعرت كأني سقطت فى فيلم من أفلام الحرب العالميه الثانيه.
معسكر إنجليزى الطراز بمبانيه وسقوفه المنحدره المغطاه بالقرميد الأحمر.
مع سقوط المطر بغزاره والشوارع الخاليه إلا من جندى هنا أو هناك شعرت أنني فى معسكر من معسكرات الحلفاء.
سلمت نفسي للقائد المسؤول.
أخبرني اني ساضطر للمبيت الليله وغدا صباحا سأذهب إلى قيادة الجيش الثانى الميدانى.
جهز لى أحد الجنود فراشا كى أقضى ليلتي هذه وقدم لى قدحا من الشاى الساخن كنت احتاجه بشده.
كان المساء قد حل وأظلمت السماء وبد الجو مسكونا بهدوء موحش فدخلت فراشى ومع التعب سقطت فى النوم.
لم أدرى كم مر من الوقت ولكنى استيقظت مفزوعا على صوت يشبه الانفجارات المتقطعة قمت مذعورا هل هى الحرب؟
لماذا تخشى إيران أن يعني اتفاق اليوم مزيدًا من الحرب غدًا؟
(برشامة) فيلم تشريح نفسي لمجتمع يقدّس الشهادة ويغتال الضمير
وماذا سأفعل وانا لست مقاتلا انا عملى فنى فى المقام الاول؟
وجدت الجندى الذى أعد لى الفراش أمامى قلت له ماذا حدث هل هذا هجوم جوى او مدفعي؟
ضحك كثيرا وقال لا هذا ولاذاك أنه البرق والرعد فهذه ليله شتويه بامتياز ثم إن اليوم السبت.
قلت له وماذا يعنى إن اليوم السبت أو الأحد أو أى يوم أخر؟
قال لى يوم السبت غالبا يكون اهدأ أيام الجبهه لان اليهود لا يعملون فى هذا اليوم.
عدت ألى فراشى أفكر فى أيامى القادمه وكيف سيكون شكل الحياه؟
فى الصباح توجهت إلى قيادة الجيش الثانى الميدانى فى حدائق بلدة القصاصين
مارس 1968
فى اليوم الثامن من مارس1969 دكت مدفعية الجيش الثانى الميدانى مواقع العدو بقصف متواصل طوال اليوم وبجميع الأعيرة.
كان قائد الجيش وقتها اللواء عدلى سعيد وأخبرنى زميلى محمود الذى كان يومها فى غرفة العمليات أن اللواء عدلى وبقية القاده عاشوا يوما رائعا فى غرفة العمليات والبيانات تتوالى عليهم من القاده الميدانيين بنتائج القصف وخسائر العدو.
فى صبيحة اليوم التالى التاسع من مارس ذهبت إلى غرفة العمليات .
وجدت درجة الاستعداد على أشدها فقلت أن هذا شيء طبيعى بعد ضربة الأمس سيحاول العدو الثأر من خسائر الأمس.
ولكن بجانب ذلك كان الفريق أول عبد المنعم رياض قد حضر وذهب برفقة اللواء عدلى إلى المواقع المتقدمه فى الاسماعيليه.
أراد أن يشاهد بنفسه نتائج ضربة الأمس ومدى ماالحقت به من خسائر فى مواقع العدو.
جلسنا فى مواقعنا وترأس الغرفه اللواء أحمد عبد السلام توفيق وتوالت البيانات.
بدأ العدو فى ضرب موقعنا بالمدفعيه والدبابات وبمختلف الأعيرة وركز على المواقع التى أبلت بالامس بلاءا حسنا.
وردت عليه قواتنا بالمثل وكلما توالت البيانات يسأل اللواء أحمد عبد السلام عن الفريق اول رياض واللواء عدلى.
تأتي الأخبار بأنهم يتجولون بين المواقع المتقدمه ويزداد قلق اللواء أحمد فالموقف هكذا فيه خطورة على الاثنين فألقصف المتبادل قد زاد ولو علم العدو موقع القائد ين لكثف من ضربه.
فى هذا الوقت كان الفريق اول رياض يتفقد المواقع الاماميه واللواء عدلى يطلب منه أن يكتفى بذلك لأن هناك خطرا يحيط به مع شدة القصف.
يرد رياض بأنه يعتبر نفسه جندى من هؤلاء الجنود فى الصفوف الأماميه والخطر كما يحيط به يحيط بهم.
ثم طلب منه أن يذهب إلى موقع مدفعيه فى المعدية سته عل الشط مباشرة ليرى بالعين المجردة آثار قصف الأمس.
وقف داخل الموقع يراقب ويتامل ويبدو أن العدو أحس بوجود قياده مهمه فى الموقع.
بدأ العدو الإسرائيلي فى تكثيف القذف على هذا الموقع تحديدا فقفز رياض إلى حفرة برميليه بجوار الموقع.
وأصيب اللواء عدلى إصابات بالغة وأخلى من الموقع فورا وانفجرت قذيفة مدفع بجوار رياض.
أحدث الانفجار خلخلة شديده أصابت الفريق أول رياض بنزيف داخلى وماهى إلا ثوانى الا وقد صعدت روحه الطاهرة إلى بارءها ليكون سيد شهداء العسكريه المصريه.
عوده إلى غرفة العمليات
كانت الأحداث وتسارعها تبدو واضحة جلية على وجه وصوت اللواء أحمد وتمتماته القلقة الغاضبه وانعكس هذا القلق على جميع الحضور.
وحين علم بذهاب الفريق عبد المنعم رياض إلى موقع المعدية سته أخذ يدعو ” أستر يارب استر يارب”
وقال لمعاونة لقد حذرت من مثل هذا الموقع لأن العدو قد ذاق منه الأمرين بالأمس وقلت له إن العدو سيركز على هذا الموقع بالذات.
فجأة صرخ فى من يحادثه ماذا تقول لا لا هل أنت متأكد ربما أصيب هو أيضا ولكنه حى لا لا ثم انفجر فى البكاء.
صمت كل من فى الغرفه لثوان وعرفوا ما حدث وانفجر الجميع فى البكاء لدقائق.
ثم استجمع الجميع قواهم وبدءت خلية النحل فى العمل بعد أن تم التأكد من إخلاء جثمان الشهيد إلى المستشفى.
وأنهمرت الاوامر على جميع المواقع ليجعلوا الضفة الاخرى من القناه قطعه من جهنم وكان مدفعية الميدان تطلق آلاف القذائف تحية لروح الشهيد.
مرت أيام كثره بعد يوم 9 مارس وحان موعد عودتى إلى المنطقه المركزيه حيث قيادة القوات الجويه.
كنت أكره العمل هناك لانى أمقط العمل الرتيب الممل الروتينى.
أكره الصحيان المبكر الاجبارى وارتداء الزى العسكرى كاملا والذهاب إلى العمل فى وقت محدد والانصراف فى وقت محدد.
وبالرغم من إنى أذهب إلى العمل واغادر سيرا على الأقدام لقرب القياده من منزلى إلا أننى كنت لا أطيق الجلوس على مكتب فى انتظار العمل الذى قد ياتى أو لا ياتى.
وذات يوم فوجئت باستدعاء من القائد واخبرني أنه بعد البحث والتحرى صدرت الأوامر أن التحق وزميل لى بادارة المخابرات الحربيه فرع الاستطلاع، وعلينا تسليم انفسنا بعد يومين إلى الفرع فى ثكنات المعادى ولم يكن لدينا فرصة الاختيار للقبول أو الرفض.
سعدت بهذا الاختيار كنوع من التقدير والذى صادف هوى من نفسى لحبى الجديد دائما.
ذهبنا فى اليوم المحدد
قابلنا القائد هناك الذى تمنى لنا التوفيق وارسلنا إلى قسم الشؤون الفنيه.
استقبلنا المهندس المسؤول عن القسم وأعطانا فكره عن العمل فى القسم.
كان عملنا يكون فى الورشه لاصلاح الاجهزه وعمل العمرات الشهريه والسنوية.
هناك ثلاث اطقم للعمل وكل طاقم له نوبتجيات ليليه وطلب من ان يختار كل منا طاقم يعمل معه.
كان هناك طاقم بقيادة مساعد أول فنى كان اسمه مسعد، وكان صاحب وجه حاد القسمات لا يضحك.
طاقم أخر بقيادة مساعد أول أسمه توفيق صاحب وجه هادىء القسمات وبشوش.
والطاقم الاخير بقيادة مساعد ذو وجه طيب جدا، ويبدو أكبر سنا من زميليه.
اخترت العمل مع هذا الرجل
اختار زميلى العمل مع توفيق ولكن المساعد الذى أخترته تنحى بى جانبا وقال لى هامسا: خللى بالك ان ما بفهمش فى شغل الاجهزه، أنا شغلتى مندوب ورشه يعنى شغلى أسلم وأستلم من الورشه.
ونصيحتى اشتغل مع مسعد ده بروفيسور وما تخليش وشه الكشر ده يبعدك عنه ده إنسان ممتاز.
قلت وهو كذلك، وجدت ابتسامه ترتسم على وجه مسعد
راق لى العمل فى الورشه لاننا كنا نعمل معا كفريق.
عمل معنا مهندس أقدم مننا قليلا، و يعمل يدا بيد معنا.
كان ثلاثتنا ندخن وكل فتره ناخذ فترة راحه ندخن سويا.
ويوما بعد يوم بدء بيننا توافق فى الأفكار، وقد عرف أنى أحب القراءه والسينما.
كان دائما يسألنى عن آخر ما قراته ويستشيرني فيما يصدر من كتب، وأحدث الأفلام وأنصحه بما يقرأ ويشاهد.
كنا احيانا نعمل فننسي أنفسنا، فنجد الساعه قد جاوزت السابعه أو الثامنه مساءا، فانصرف ويبلغنا أن لا نأتى فى الغد، أو ناتى متاخرين.
فى هذه الاثناء كان الطيران الاسرائيلي يعربد فى سماء الجبهه
وبدات عملياته فى العمق تزداد وحدثت ماساة بحر البقر ومصنع ابو زعبل وفى يوم من الايام اغارت الطائرات الإسرائيليه على منطقة ثكنات المعادى.
تقرر بصفه فوريه انتقال الفرع من مقره فتحركنا إلى أكثر من موقع حتى تم نقلنا إلى قصر كانت تملكه الملكه دينا الزوجه الاولى للملك حسين.
وهى مصريه وكان القصر فى المعادى أخذنا أسبوعين من العمل المستمر ليلا ونهارا حتى تم التجهيز
وفى هذا الوقت اتخذت القياده قرارا بتغيير منظومة الدفاع الجوى، وادخال منظومة قواعد الصواريخ.
كان يلزم هذا ان يكون لدينا أجهزه تحديد إتجاه حديثه ترصد الطائرات المغيرة بمجرد بدء انطلاقها كى تستطيع المقاتلات، وقواعد الصواريخ التعامل معها.
ونظرا لضيق الوقت والحاجه الشديده تقرر انه بمجرد وصول الاجهزه إلى الميناء أن تذهب مجموعه من الفرع لاستلامها بعيدا عن الإجراءات الروتينية.
وإحضارها للفرع والبدء فورا فى التدريب عليها تمهيدا للدفع بها على الجبهه.
تم تجهيز ملعب نادى المعادى الجديد ولم يكن النادى قد استلمه بعد.
وعلى أرضية الملعب تم التدريب وكان المدربين من الخبراء الروس.
تم التدريب فى خلال اقل من ثلاثة أسابيع
ماذا تم فى التدريب وإرسال الأجهزه بمعداتها واطقمها إلى الجبهه فتلك حكايه تستحق ان تروى.






