مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (23) مقام المفارقة

إن مقام المفارقة هو مقام "النضج الفلسفي" في الكتابة؛ فالكاتب الذي يخشى التناقض يظل سجين "المنطق السطحي" أما الكاتب الذي يعانق الضدين فهو الذي يلامس "المنطق الإلهي" في الكون

مشاركة:
حجم الخط:

 هيبة الجمع بين الضدين

​عتبة المقام: الحقيقة التي تسكن التناقض

في الرؤية الصوفية لا تكتمل معرفة “الحق” إلا بالجمع بين أسمائه المتقابلة؛ فهو “الأول والآخر” و”الظاهر والباطن”.

هذا التوتر بين الأضداد هو “تكامل وجودي” يؤدي إلى الحقيقة الكلية. وحين ينتقل هذا المقام إلى مختبر الأدب الحديث نجد أن “المفارقة” تتحول من مجرد زينة بلاغية إلى “بنية تفكير”؛ فالنص العظيم هو الذي يستطيع أن يحمل المتناقضات في آن واحد: الحضور في الغياب، والحرية في القيد، والامتلاء في العدم.

أولاً: جدلية القرب والبعد في السرد الحداثي

يقول النفري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”؛ وهي مفارقة صوفية تجعل من العجز قمة القدرة.

وفي الأدب نجد هذا التجلّي بوضوح عند خورخي لويس بورخيس وتحديداً في قصته المشهورة “الألف” (The Aleph)؛ حيث يصف نقطة صغيرة في زاوية قبو مظلم تحتوي على “كل زمان ومكان الكون” في لحظة واحدة.

بورخيس هنا يمارس “الجمع بين الضدين”؛ فالجزء (النقطة) هو الكل (الكون)، واللحظة هي الأبدية. هذا “الشطح الأدبي” هو الذي يمنح النص هيبته؛ حيث تتحول اللغة إلى أداة لجمع ما لا يجتمع في المنطق العادي.

ثانياً: التضاد الوجداني في القصيدة العربية المعاصرة

تبرز المفارقة في شعر محمود درويش كأداة لتعريف الهوية عبر نقيضها؛ ففي “جداريته” يحضر الموت بوصفه “تأكيداً للحياة”، ويحضر المنفى بوصفه “البحث عن الوطن الأقصى”

يقول درويش: “أنا مَلِكُ الصدى، لا عَرْشَ لي إلا الهباء”.

هنا يجتمع “المُلك” مع “الهباء” و”العرش” مع “الصدى”؛ وهي مفارقة تحول الانكسار الشخصي إلى شموخ وجودي.

الشاعر هنا لا يكتب نقيضين بقدر ما يكتب “وحدة الوجدان” التي لا تتحقق إلا من خلال احتضان التضاد، تماماً كما يرى الصوفي أن “الفناء” في المحبوب هو “البقاء” الحقيقي به.

​ثالثاً: العتمة المضيئة.. جماليات الظل والنور

في الأدب الغربي نجد “مقام المفارقة” عند تي إس إليوت في “الرباعيات الأربع”؛ حيث يقول: “في بدايتي هي نهايتي”.

هذه الدائرية الصوفية تلغي الخطية الزمنية وتجعل من المتناقضات نقطة واحدة. الأديب السالك هنا يدرك أن “النور الأكبر” قد يعمي الأبصار تماماً كما تفعل الظلمة، لذا فهو يستخدم “الظل” لكي يجعل النور مرئياً.

الكتابة بمقام المفارقة تعني أن تجعل القارئ يشعر بـ “برد اليقين” في قلب “نار الحيرة”، وأن يجد “الغنى” في محض “الافتقار”.

​رابعاً: هندسة التوتر (طريقة الكتابة)

إن المنهج الإبداعي في هذا المقام يعتمد على بناء “النص المتوتر” الذي يرفض الإجابات السهلة.

الكاتب الخبير لا يختار بين الضدين بل يضعهما وجهاً لوجه لكي يولد منهما “معنى ثالثاً” يتجاوز الحرف.

الكتابة هنا هي ممارسة لسياسة “الإثبات والمحو” في آن واحد؛ تضع الجملة ثم تنفيها بظلها لكي تترك القارئ في حالة من “الذهول المعرفي”.

هذا الذهول هو الثمرة المقصودة من مقام المفارقة؛ فهو الذي يكسر قشرة العقل ليسمح لجوهر الروح بالفيض.

خاتمة المقام

عزيزي المبدع، إن مقام المفارقة هو مقام “النضج الفلسفي” في الكتابة؛ فالكاتب الذي يخشى التناقض يظل سجين “المنطق السطحي” أما الكاتب الذي يعانق الضدين فهو الذي يلامس “المنطق الإلهي” في الكون.

لكي تبهر القارئ عليك أن تُرِيَه كيف يمكن للدمعة أن تكون ابتسامة صامتة، وكيف يمكن للهزيمة أن تكون نصراً باطناً، وكيف يمكن للكلمة الواحدة أن تكون صمتاً مطبقاً.

إن النص الذي يجمع بين الضدين هو وحده النص الذي يشبه الحياة بكل تناقض الحلو والمر فيها.

شارك المقال: