محمد زكي يكتب: مصر وإيران قواعد ثابتة في رمال متحركة
إعتمدت مصر في المواجهة على دعم دول الطوق عسكريا من خلال جيوشها التقليدية في حين اعتمدت إيران على دعم أزرعها العسكرية المتحصنة بطرق غير تقليدية

علي خامئي المرشد الأعلى الجمهورية الإيرانية
مفارقة 1979: حين تبادلت القاهرة وطهران “المواقع والخنادق”
لا يعيد التاريخ نفسه حرفياً، لكنه غالباً ما يسير على إيقاع “المصالح الأساسية” للقوى العظمى. يمثل عام 1979 الزلزال الجيوسياسي الأكبر في النصف الثاني من القرن العشرين للشرق الأوسط؛ ففي اللحظة التي كانت فيها واشنطن تلملم أوراقها من طهران بعد سقوط “شرطي الخليج” (الشاه)، كانت تفتح أبواب البيت الأبيض لاستقبال السادات كحليف استراتيجي بديل.هذا التبادل الدراماتيكي للمواقع لم يكن مجرد تغيير في “الوجوه”، بل كان إعادة هيكلة شاملة للمنطقة بناءً على محددين أساسيين:
الاحتواء: نقل مصر من خانة “المواجهة” إلى “السلام البارد”.
الاستعداء: تحويل إيران من “حليف إقليمي” إلى “عدو وجودي”.
المحركات البنيوية للصراع: ما وراء الأيديولوجيا
بينما ينشغل الرأي العام بالشعارات (تصدير الثورة الجمهورية ناصرياً، أو تصدير الثورة الشيعية خمينيًا)، تدرك الدوائر الاستراتيجية أن المحرك الحقيقي للعداء الأمريكي ليس “نوع النظام”، بل “طموح الدولة”.
الجريمة الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية:تتطابق المبررات الحقيقية لاستهداف “مصر الناصرية” في 1967 مع مبررات استهداف “إيران اليوم” في ثلاثة ملفات تقنية تكسر احتكار القوة:
المشروع النووي: كونه قاطرة للتكنولوجيا ومنصة للردع الوجودي.
المشروع الصاروخي: كأداة ردع ومنع “السيادة الجوية” المطلقة لإسرائيل.
الاستقلال السياسي والاقتصادي: الذي يخرج الدولة من عباءة التبعية لصندوق النقد والقرار الأمريكي.
استراتيجية “الوكلاء” وتغيير القبلة السياسية
من المثير للاهتمام ملاحظة كيف تتحرك البوصلة الإقليمية (خاصة الخليجية) بالتوازي مع الرؤية الأمريكية:
في الستينات: حوربت مصر الناصرية بدعوى حماية “الملكيات” من المد الجمهوري.
اليوم: تُحارب إيران بدعوى حماية “الاستقرار” من المد الشيعي.
المفارقة أن السعودية التي دعمت “الملكية والإمامة” في اليمن ضد مصر في الستينات، هي نفسها التي تقود تحالفاً ضد “أنصار الله” في اليمن الآن
لقد أدركت الدوائر الاستخباراتية الغربية والإسرائيلية مبكراً أن مشروع جمال عبد الناصر (الصاروخي والنووي) يمتلك طموحاً يفوق قدرة المشروع الأمريكي في المنطقة على تحمله أو التكيف معه
الإجهاض المبكر للمشروع المصري
تم ضرب مصر في 5 يونيو 1967 ومشروعها الصاروخي طفل لم يكمل عشر سنوات كان القرار مبكرا ولم ينتظر حتى تنمو المعرفة والقدرة المصرية وتشكل خطرا ورادعا حقيقيا، بعبارة أدق: ضُربت مصر قبل أن تصل إلى “النقطة الحرجة”؛ تلك النقطة التي يصبح فيها ثمن ضرب الدولة أغلى من ثمن بقاء طموحها.التميز الإيراني
حظى المشروع الإيراني على مميزات اساسية لم تتوفر للمشروع المصري: الردع والاستمرارية والدعم غير التقليدي
الردع: تمثل منذ اللحظة الأولى في قرب إيران من مصادر النفط وقدرتها على إلحاق أضرار جسيمة بها، إلى جانب إمكانية تعطيل الملاحة في الخليج بإغلاق مضيق هرمز مما جعل من ضرب إيران قرار يصعب اتخاذه مع تجنب تبعاته، فمنح التردد الأمريكي فسحة من الوقت لإيران بدون توجيه ضربة مباشرة، وفي المقابل لم يمنح مصر تحكمها في قناة السويس وخليج العقبة فرصة مماثلة لوجود بدائل ملاحية.
الاستمرارية: استمرار النظام الإيراني على عقيدته السياسية واستراتيجيته سمح للمشروع بالاستمرار لعقود من العمل المتواصل مما أتاح له تخطي المراحل المعرفية الأولى والصعاب التنفيذية والقدرة التكنولوجية حتى أصبحت القدرات الصاروخية الإيرانية رادعا حقيقيا وقويا كما رأينا في حرب الإثنى عشر يوما وزادت قدرتها على التأثير في خطوط الملاحة والتدفقات النفطية
الدعم غير التقليدي:
إعتمدت مصر في المواجهة على دعم دول الطوق عسكريا من خلال جيوشها التقليدية في حين اعتمدت إيران على دعم أزرعها العسكرية المتحصنة بطرق غير تقليدية
الخلاصة: إن الأسباب التي جعلت من نظام ناصر “هدفا حتمياً” هي ذاتها التي تضع إيران في “عين العاصفة”. لكن الفارق الزمني منح طهران فرصة بناء “درع الردع”.السيناريو القادم:تدرك واشنطن وتل أبيب أن “تغيير النظام” من الخارج مكلف عسكرياً، وأن “ضرب المشروع النووي” قد لا ينهيه بل يدفعه إلى باطن الجبال بشكل أعمق. لذا، فإن الحشود الحالية قد لا تكون “طلقة بداية” لحرب شاملة بقدر ما هي “أداة تفاوض خشنة” للوصول إلى صيغة (ساداتية جديدة) بوجوه إيرانية، تضمن احتواء الطموح التقني مقابل البقاء السياسي.السؤال الاستراتيجي الذي يبقى معلقاً:هل تنجح الضغوط الاقتصادية واغتيال العقول في فعل ما عجزت عنه الطائرات، أم أن إيران تجاوزت “نقطة اللاعودة” التكنولوجية؟
رابط المقال المختصر:





