مبدع العمل الواحد..ظاهرة محيرة!
تجسد نموذج مبدع العمل الواحد بوضوح في تجربة المخرج الراحل شادي عبد السلام وفيلمه "المومياء"، ورغم اشتغاله الطويل على مشروعات سينمائية وفكرية أخرى، ظل هذا الفيلم هو العمل الوحيد

فيلم المومياء العمل الوحيد الذي صنع مجد شادي عبد السلام ويتذكره الجمهور
ظاهرة مبدع العمل الواحد من أكثر الظواهر إثارة للتأمل في تاريخ الأدب والفن، حين يحقق أديب أو فنان ما نجاحا مدويا في أحد أعماله، فيصبح هذا العمل هو العنوان الوحيد لاسمه، بينما تتوارى بقية إبداعاته ولا يعيرها أحد إهتماماً يذكر، مهما بلغت روعتها وتميزها.
في الأدب، يقدم الأديب الكبير يحيى حقي مثالا قوياً على هذه الظاهرة، وعلى الرغم من ثراء تجربته القصصية والنقدية، ظل اسمه مرتبطا في الوعي العام برواية “قنديل أم هاشم”، والتي تحولت إلى فيلم من بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد.
الأمر نفسه ينطبق على الروائي السوداني الطيب صالح، الذي كتب نصوصا مهمة ومتنوعة، لكن رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، استحوذت على مجمل الاهتمام النقدي والجماهيري، ولم يكن ذلك لأن بقية أعماله أقل قيمة، بل لأن هذه الرواية لامست سؤال الهوية والعلاقة بين الاستعمار والذات العربية في لحظة تاريخية حاسمة، وصاغت ذلك في بنية سردية محكمة جعلتها واحدة من أكثر الروايات العربية حضورا عالمياً.
في السينما، يتجسد نموذج مبدع العمل الواحد بوضوح في تجربة المخرج الراحل شادي عبد السلام وفيلمه “المومياء”، ورغم اشتغاله الطويل على مشروعات سينمائية وفكرية أخرى، ظل هذا الفيلم هو العمل الوحيد الذي يُستدعى عند ذكر اسمه، وما يزال “المومياء” يتصدر حتى الآن قائمة أهم مائة فيلم مصري، وواحد من أهم الأفلام في تاريخ السينما في العالم.

في الشعر، يظهر المثال الأشهر في قصيدة الأطلال، التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية باسم الشاعر أحمد ناجي، رغم أن مسيرته الشعرية أوسع من ذلك بكثير، ولكن غناء القصيدة بصوت كوكب الشرق أم كلثوم، جعلها تطغى على كل ما عداها، وتعيد تعريف الشاعر من خلال نص واحد فقط.
أما في الغناء، فهناك نماذج كثيرة على مبدع الأغنية الواحدة، أهمها المطرب الأسمر محمد حمام الذي ما يزال إسمه مرتبطا بأغنية “يا بيوت السويس”، التي عبرت عن وجدان المقاومة والانتماء في لحظة وطنية فارقة، بينما ذابت بقية أغانيه في الظل.
وكذلك المطرب “علي حميدة”، الذي حققت أغنيته “لولاكي” نجاحا كاسحا تجاوز كل التوقعات، ولكنها تحولت إلى عبء فني ثقيل عليه، ولم يستطع أن يتجاوزها حتى مات.
وفي التمثيل، يتجسد الاختزال بأوضح صوره في الفنان الكوميدي محمد سعد، ورغم محاولاته المتعددة للخلاص من أسرها، فقد ظل أسيراً لشخصية “اللمبي”، التي حققت نجاحا جماهيريا هائلا، لكنها قيدت تطوره الفني، وجعلت الجمهور يرفض رؤيته خارج هذا القالب.
وكذلك الفنان الكوميدي الراحل محمد نجم، والذي امتلك حضورا مسرحيا لافتا، ولكن تم اختزال موهبته في مسرحية واحدة هي “عش المجانين”، وفي جملة ظل يرددها طوال المسرحية وهي “شفيق يا راجل”، حتى أصبحت هذه العبارة بطاقة تعريفه الوحيدة لدى أجيال كاملة.






