ما الذي تريده الولايات المتحدة من إيران؟
هنا نفهم لماذا تبدو الصفقة شبه مستحيلة بصيغتها الحالية،فقبول إيران بهذه الشروط لا يعني تعديل سياسة، بل نزع أسباب القوة التي بنت عليها النظام نفسه

لازالت الانظار تتجه وتترقب ما يحدث في الخليج
قلم د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
ليست العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران صراعًا عابرًا على ملف نووي، ولا خلافًا ظرفيًا على نفوذ إقليمي، بل هي صراع على تعريف الدولة ودورها ووظيفتها داخل النظام الدولي. ومن هنا، فإن فهم ما تريده واشنطن من طهران لا يبدأ من التصريحات ولا من التحشيدات العسكرية، بل من العقل الاستراتيجي الأميركي الذي ينظر إلى إيران بوصفها حالة شاذة داخل نظام إقليمي صُمم ليُدار من مركز واحد.
الولايات المتحدة، بخلاف ما يُشاع، لا تسعى إلى إسقاط إيران كشعب، ولا إلى احتلالها كدولة. هذا الخيار مكلف، وغير ضروري، وغير مرغوب أصلًا. ما تريده واشنطن أبسط في الصياغة، وأعقد في التنفيذ: تغيير سلوك الدولة الإيرانية بما يجعلها غير قادرة على تهديد النظام الإقليمي الذي تقوده، ولا على تعطيل قواعده، ولا على إنتاج نموذج بديل عنه.
من هذا المنطلق، يجب قراءة الشروط الأميركية التي تُطرح تحت عنوان “منع الحرب”. فهي ليست شروط تفاوض، بل شروط إعادة صياغة.
أول هذه الشروط يتعلق بالبرنامج النووي، لكنه لا يقف عند حدّ منع السلاح النووي. المطلوب أميركيًا هو إلغاء القدرة النووية من أساسها: صفر تخصيب، تفكيك أجهزة الطرد المركزي، تسليم مخزون اليورانيوم المخصب، ووضع المنشآت تحت إدارة رقابية طويلة الأمد. هذا ليس تجميدًا، بل إلغاء خيار استراتيجي راكمت إيران لأجله استثمارات هائلة، واعتبرته ضمانة وجود لا ورقة تفاوض.
لكن النووي، في الحساب الأميركي، ليس سوى عرض للمرض. الجوهر الحقيقي هو تفكيك منطق القوة الإيرانية نفسه. لذلك يأتي الشرط الأخطر: تفكيك المنظومة الصاروخية البالستية. هنا لا نتحدث عن سلاح تقليدي، بل عن العمود الفقري لعقيدة الردع الإيرانية. نزع هذا العمود يعني تحويل إيران من دولة ردع إقليمي إلى دولة مكشوفة أمنيًا، تعتمد على حسن نيات خصومها، لا على توازن القوة.
ثم نصل إلى لبّ الصراع: تفكيك منطق الحرب بالوكالة. الولايات المتحدة لا ترى إيران دولة تعمل ضمن حدودها، بل شبكة نفوذ مسلحة عابرة للدول. من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، بنت طهران نفوذها بأقل كلفة مباشرة، وأعلى كلفة على الساحات. واشنطن تريد إنهاء هذا النموذج كليًا، لا تعديله. تريد إيران دولة، لا “منظومة إدارة فوضى”.
ويتفرع عن ذلك شرط أمن الملاحة والطاقة. من الخليج إلى بحر العرب والبحر الأحمر، تعتبر الولايات المتحدة أن أي تهديد للممرات البحرية أو لإمدادات الطاقة تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي. لذلك، فإن استخدام الجغرافيا كسلاح سياسي لم يعد مقبولًا. هذا الشرط لا يستهدف إيران وحدها، بل كل من يفكر بتحويل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز دولي.
اقتصاديًا، لا تعارض واشنطن أن تعود إيران إلى السوق العالمية، لكنها تريد إدماجًا مشروطًا: اقتصادًا منتجًا داخل قواعد النظام، لا اقتصاد مقاومة يُموّل النفوذ والسلاح. أي أن تخفيف العقوبات ليس مكافأة، بل نتيجة لاحقة لتغيير السلوك، لا أداة لتشجيعه.
لكن فوق كل هذه الشروط، يقف الشرط غير المعلن والأكثر حساسية: إيران دولة… لا مشروع أيديولوجي. هذا هو جوهر الصراع. واشنطن لا تستطيع التعايش مع دولة ترى نفسها “رسالة” أو “ثورة دائمة” أو قائدًا لأمة. النظام الدولي لا يحتمل سوى دول تحسب مصالحها، لا دول تصدّر أيديولوجيا وتعيد تعريف الحدود والشرعية.
هنا نفهم لماذا تبدو الصفقة شبه مستحيلة بصيغتها الحالية،فقبول إيران بهذه الشروط لا يعني تعديل سياسة، بل نزع أسباب القوة التي بنت عليها النظام نفسه، ومن هنا يصبح السؤال داخل طهران وجوديًا: إذا تنازلنا عن النووي، والصواريخ، والأذرع، فمن يضمن ألا تنتقل المطالب إلى تغيير النظام ذاته؟ تجربة ليبيا حاضرة بقوة في الوعي الإيراني، لا كحدث تاريخي، بل كتحذير استراتيجي.
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة في وارد التراجع السهل. التحشيد العسكري، الحصار البحري المرن، الضغط على صادرات النفط، كلها أدوات تهدف إلى دفع إيران نحو الخطأ الاستراتيجي. لا تريد واشنطن أن تبدأ الحرب، لكنها تريد أن تُفرض عليها ذريعة تبررها أمام الداخل الأميركي، وتحديدًا أمام الكونغرس، تحت عنوان حماية الأمن القومي.
الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في الحرب نفسها، بل في سوء التقدير. أي ردّ إيراني مباشر، كاستهداف حاملة طائرات أو قاعدة أميركية، قد يُستخدم لتوسيع الصراع بشكل لا يمكن احتواؤه لاحقًا. وفي المقابل، فإن استمرار الضغط دون انفجار قد يؤدي إلى إنهاك داخلي طويل الأمد يفرض التغيير من الداخل لا من الطاولة.
الخلاصة الاستراتيجية أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إذلال إيران بقدر ما تسعى إلى تحجيمها. لا تريد إسقاط النظام بالضرورة، لكنها تريد تغيير وظيفته. تريد إيران دولة طبيعية داخل نظام غير طبيعي تقوده واشنطن.
فإن قبلت إيران بذلك، فُتحت أبواب الصفقة.
وإن رفضت، فلن تُترك لتنتصر، بل سيُدار الصراع معها حتى تُستنزف قدرتها على الرفض.
لسنا أمام صفقة متكافئة، ولا أمام حرب حتمية، بل أمام مسار تصادمي طويل، عنوانه الحقيقي: من يملك القدرة على الصبر أكثر، ومن يخطئ أولًا.
رابط المقال المختصر:





