إبداع

قصة قصيرة (سأظل أغني) عبود مصطفى عبود

كملوا الغنوة، حتى لو ما ضلّت غزة تغني غير بالحجر، ما تسيبوا النغمة تموت قبل ما تخلص." انتهت الرسالة، وأرسلها إلى بريد الإذاعة

مشاركة:
حجم الخط:

القصة الثانية في مجموعة (حلم رجل ميت) حصريا 

الكاتب الدكتور: عبود مصطفي عبود 

في تمام الساعة التاسعة صباحًا، دق جرس الباب الحديدي في مبنى صغير نصفه من الزجاج، نصفه الآخر من صبر. كانت إذاعة “صوت الناس” تبث أغاني خفيفة، وأخبار الطقس، وتعليمات الدفاع المدني. في الطابق الثاني، دخل “سليم” وهو يحمل كوب قهوة بلاستيكي وعلبة بها شطيرة بيض.
مرّ بين الزملاء بابتسامة مشاغبة، وألقى السلام بنغمة غنائية:
ـ صباحو يا بلد… صباحك حلو رغم كل شي.
قالت “رنا” زميلته في الإعداد:
ـ في غارة ع النصيرات الفجر، ومجزرة. بس انت بتغني!
هزّ كتفيه وقال:
ـ الصوت أحيانًا بيكون درع. لازم الناس تسمع شي غير الرعب.
جلس أمام الميكروفون، وضبط السماعات، وفتح البث المباشر، وقال بصوت رخيم فيه نبرة دفء:
ـ صباح الخير، من صوت الناس… هنا غزة التي لا تموت. إليكم أغنية كتبها شاب غزاوي، غناها لأول مرة قبل القصف… ولسّا بتحلم.
ثم أشار لمهندس الصوت، وبدأت الموسيقى.
كان سليم يغني:
“يا دارنا يا بيتنا يا ضيّ عتمتنا
لا الهوا بيكفّ، ولا الحنين نِسِينا…
حتى لو راحوا، إحنا هون نبقى
نكتب اسمك يا بلد… ع باب المدينة…”
كان صوته ناعمًا، موجعًا، يشبه من يبكي وهو يبتسم. في الخارج، كانت الشمس تغسل الزجاج، والريح تعبر الشوارع بخفة، والناس يستمعون من سياراتهم، ومن الملاجئ، ومن فوق الركام.
في منتصف الأغنية، رفّت الأضواء داخل الاستوديو، ثم انطفأت الشاشة فجأة. توقفت الموسيقى، وارتجّ المبنى.
قال مهندس الصوت:
ـ الطيارة قريبة. في شي غلط.
ثم سمعوا الدوي.
لم يكن مثل باقي الأصوات، كان عميقًا، كأنه من بطن الأرض. ارتجف الزجاج كله، وانكسر جزء من السقف، سقطت شاشة الإضاءة، وعلت صرخة من غرفة الأخبار.
ركض سليم خارج الاستوديو، ووجد “رنا” تحت الطاولة، وعينها تنزف. حملها وهو يصرخ:
ـ حدا يجيب شاش! في حدا سمعنا؟!
قال أحدهم:
ـ الضربة كانت قريبة جدًا… يمكن شارع الوحدة.
حملها إلى أسفل الدرج، حيث فتحت الإذاعة جزءًا من القبو ليكون ملاذًا مؤقتًا.
في الزاوية، جلس عامل النظافة يقرأ قرآنًا بصوت خافت. أحد التقنيين يبكي، وآخر يتصل بأهله ولا يجد شبكة.
جلس سليم، وضم رأسه إلى الحائط، ودفتر الأغاني في حضنه. فتحه، ونظر إلى الكلمات التي لم تكتمل.
“يا دارنا يا وجعنا يا ضلّنا التايه…”
كان قد كتبها البارحة، وأراد أن يسجّلها اليوم. تنهد، وأغمض عينيه، ثم فتح هاتفه وبدأ يسجل صوته:
ـ “إذا وصلتكم هاي الرسالة، أنا سليم من صوت الناس، صوتي مش مهم، بس الرسالة أهم. كملوا الغنوة، حتى لو ما ضلّت غزة تغني غير بالحجر، ما تسيبوا النغمة تموت قبل ما تخلص.”
انتهت الرسالة، وأرسلها إلى بريد الإذاعة.
ثم سمعوا صوتًا جديدًا… كان القصف يعود.
قالت رنا، وهي تمسك بيده:
ـ صوتك رجّعلي قلبي شوي.
ابتسم، وهمس:
ـ ما خلّوني أكمل الأغنية… بس يمكن حد يكملها عني.
الساعة تجاوزت العاشرة. القصف لم يتوقف. لم يكن مجرد موجة، بل سيلًا من النار ينهال على حي الرمال، حيث يقع مبنى الإذاعة. كانت الطائرات تدور فوقهم، تحصد ما بقي من شوارع، وتُسقط ما تبقى من صمت.
في القبو، جلس سليم مع رنا، ووجوه العاملين تُشبه وجوه ناس من زمن آخر. لم يبقَ سوى الشاي البارد، وبعض زجاجات الماء. لا شبكة، لا إذاعة، لا أصوات إلا زئير السماء.
قالت رنا، وهي تضع قطعة قماش على جرح رأسها:
ـ بتعرف؟ صوتك طالع من البيوت ها للحظة، الكل سمعك قبل ما ينقطع البث.
سكت سليم، ثم نظر إلى الدفتر المجعّد بين يديه، وقد غطاه الرماد.
فتح الصفحة التي لم يُكملها، ونفخ عليها، كأنها قلبه. ثم سحب قلمه، وكتب:
“حتى لو كسّروا حنجرتي، بضل أكتب. حتى لو طُمرت الكلمة، بضل أحفر عليها بالدم.”
أمسك هاتفه مرة ثانية، وفتح المسجل الصوتي. هذه المرة لم يرسل رسالة شخصية، بل رفع صوته داخل القبو، وقال:
ـ هاي الرسالة لأي حدا عنده نغمة، عنده وتر ما انقطع. هاي الغنوة مش إلي. هاي للي بعدي، واللي بعده. سموها زي ما بدكم… بس كملوها. ما تخلوا اللحن يموت معي.
سكت لحظة، ثم غنّى بصوت خافت:
“يا دارنا يا ضلك… ليلك على القلب دافي
صارت الحكاية صوت… وانتِ بقيتي أغاني”
أغلق التسجيل، وأرسله إلى البريد الصوتي للإذاعة، ثم إلى رقم صديقه “يزن”، فنان شاب كان دائمًا يحلم بأن يُسجّل أول أغنية له، لكن الحرب كانت دائمًا تُطفئ استوديوهات غزة قبل أن تُضيء.

ثم سمعوا انفجارًا جديدًا، هذه المرة أقرب، جعل الباب الحديدي يهتز، والسقف ينزف غبارًا كثيفًا. هرع الجميع إلى الزاوية الأبعد، وسليم يضم رنا، وعيونه لا تُغادر فتحة التهوية الصغيرة التي تطل على الشارع.
همس أحد العاملين:
ـ قصفوا مكتب وكالة الأنباء اللي جنبنا… الله يستر.
قال آخر:
ـ كل يوم نفس الشي، بس اليوم… مختلف.
مرت ساعات لا تُعدّ، توقفت فيها الساعات داخل القبو. لم يكن هناك سوى العرق، والخوف، وعيون تبحث عن إشارة ضوء.
فجأة، رنّ هاتف سليم. كانت شبكة باهتة، مكالمة واحدة وصلت. كان “يزن”.
فتح الخط، وقال:
ـ سليم! وصلتني الرسالة… يا زلمة، صوتك طالع بكل مكان! الناس عم تبعتلي مقاطع، صوتك كان آخر شي سمعوه قبل ما تتوقف الإذاعة.
ابتسم سليم كأن روحه عادت للحياة، وقال:
ـ كملها… يا يزن، الله يرضى عليك، كملها.
ثم انقطع الخط.
لكن الرسالة كانت قد خرجت من القبو، خرجت من تحت الركام، وبدأت تطير.
في أحد ملاجئ خان يونس، فتاة تعزف على عود قديم وتردد كلمات سليم.
في بيت متصدّع بدير البلح، عجوز يبكي وهو يسمع صوته عبر راديو بطارية.
وفي نابلس، رام الله، بيروت… كانت كلمات “يا دارنا” تصل كأنها لحن من تحت التراب.
في الليل، دق أحدهم باب القبو، وقال:
ـ أنتو بخير؟ إحنا من الدفاع المدني، جينا نطلعكم.
خرجوا واحدًا واحدًا، وكل منهم كأنه ناجٍ من نهاية العالم.
سليم خرج وهو يمسك دفتره، رفع رأسه للسماء المظلمة، ثم قال:
ـ ما خلّوني أغنيها للآخر… بس هي كملت لحالها.
قالت رنا وهي تنظر إلى الركام:
ـ الأغنية صارت مدينة.
في مدرسة مهدّمة تحوّلت إلى مركز إيواء، كان سليم ينام على قطعة إسفنج فوق أرضية باردة. كتفه مضمد، وصوته خافت كأنه خرج لتوّه من تحت التراب. في الزاوية المقابلة، جلس طفل يقلّب مذياعًا صغيرًا، حتى استقرت الموجة على صوت عود، وصوت فتاة تغني:
“يا دارنا يا بيتنا
لو انهدّ الحيط، الحكاية ما بتموت”
رفع الطفل رأسه نحو سليم وقال:
ـ هاي غنوتك، صح؟ أنا حافظها.
ابتسم سليم، وعضّ على شفاهه ليمنع دمعة من السقوط. لم يكن يتوقع أن تعيش الأغنية أكثر منه، ولم يكن يعرف أن شيئًا ناقصًا فيه قد وُلد من جديد.
اقتربت منه سيدة عجوز، وقالت:
ـ بنتي الصغيرة كانت تبكي طول الوقت. من يوم ما سمعت غنوتك، صارت تغنيها وتنام، كنت لازم أعرف مين صاحب الصوت.
سليم لم يجب. فقط أمسك دفتره المهترئ، ووضعه على ركبتيه، وبدأ يكتب من جديد. الكلمات خرجت ببطء، كما لو أنها تحبو على أنقاض حنجرة.
“نكتب على الحيطان… نغنّي بالممر
مش بس للأمل… كمان للناس اللي راحوا”
مرت أيام، وانتشرت الأغنية كأنها نداء من قلب غزة. فريق شبابي أعاد تسجيلها بكلمات سليم الأصلية، وأضاف عليها جوقة أطفال. عازفون غزاويون سجلوها بهواتفهم من ملاجئ، وغنّاها لاجئون في لبنان وسوريا والأردن.

شارك المقال: