علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

رئيس تحرير الأهرام ويكلي

عزت إبراهيم يستعرض مقالات اللوموند عن قناة السويس (2) فرديناند دي لسبس

وافق سعيد، وبدأ دي لسبس حملة سياسية ومالية واسعة في فرنسا وأوروبا، في مواجهة معارضة بريطانية شديدة وتحفظ عثماني مستمر.

مشاركة:
حجم الخط:

يركز الجزء الثاني من سلسلة «لوموند» عن قناة السويس على شخصية فرديناند دي لسبس نفسه، وعلى الكيفية التي تمكن بها دبلوماسي فرنسي لا يملك تكوينا هندسيا أو علميا من تحويل فكرة ظلت مطروحة منذ العصور القديمة إلى واحد من أكبر مشروعات القرن التاسع عشر.

ويعرض المقال القصة باعتبارها مزيجا من الطموح الشخصي والمهارة الدبلوماسية والمصالح الأوروبية والتمويل المصري والعمل القسري للفلاحين، قبل أن يتحول المشروع في النهاية إلى إنجاز هندسي ضخم وأداة لتوسيع النفوذ الاستعماري الأوروبي.

يبدأ المقال من تمثال دي لسبس الذي أعيد ترميمه ووضعه في متحف قناة السويس بالإسماعيلية.

كان التمثال قد نسف في بورسعيد بعد تأميم القناة عام 1956 ثم عثر على أجزائه عام 1981 ورمم عام 1989.

رفضت مصر إعادته إلى قاعدته الأصلية في بورسعيد، كما رفضت التخلي عنه لفرنسا باعتباره جزءا من التراث المصري.

نقل التمثال ليلا إلى الإسماعيلية عام 2020، وأصبح جزءا من متحف افتتح عام 2024 من دون افتتاح رئاسي رسمي حتى وقت كتابة المقال.

يرى الكاتب في هذه القصة تعبيرا عن علاقة مصر المعقدة بدي لسبس: الاعتراف بمكانته التاريخية من دون استعادة رمزيته الاستعمارية القديمة.

يؤكد المقال أن فكرة الربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر سبقت دي لسبس بآلاف السنين.

عرف المصريون القدماء ما يسمى «قناة الفراعنة»، التي ربطت فرعا من النيل بالبحيرات المرة ثم بالبحر الأحمر.

ينسب إنشاؤها إلى سنوسرت الثالث أو، على الأرجح، نخاو الثاني، ثم استكملها الفرس في عهد داريوس الأول نحو 510 قبل الميلاد.

أعاد البطالمة حفرها وطوروا فيها نظاما مبكرا للأهوسة، واستخدمها الرومان في تجارة التوابل، ثم أعاد تراجان بناء أجزاء منها.

وبعد الفتح العربي أعاد عمرو بن العاص فتح القناة في القرن السابع، وظلت تعمل أكثر من قرن قبل ردمها في سياق صراعات سياسية وعسكرية.

عزت إبراهيم يستعرض: حلقات اللوموند عن قناة السويس (1)

تجدد الاهتمام الأوروبي بالمشروع بعد اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح عام 1497.

خشيت البندقية على تجارتها مع الشرق وطرحت فكرة قناة تربط البحرين. وعادت الفكرة بقوة مع حملة نابليون على مصر عام 1798، عندما أمر بدراسة جدوى المشروع.

أخطأ المهندس جاك ماري لو بير حين اعتقد بوجود فارق ارتفاع يبلغ نحو عشرة أمتار بين البحرين، وهو خطأ أعاق المشروع لعقود.

في أربعينيات القرن التاسع عشر أثبتت دراسات جديدة أن مستوى البحرين متقارب وأن بالإمكان حفر قناة مباشرة بلا أهوسة، فأصبح المشروع قابلا للتنفيذ تقنيا.

دخل دي لسبس المشهد من بوابة الدبلوماسية لا الهندسة. ولد في أسرة من الدبلوماسيين، وكان والده أول ممثل فرنسي في القاهرة بعد حملة نابليون.

وصل مصر عام 1832 بصفته قنصلا متدربا، وخلال فترة الحجر الصحي قرأ موسوعة «وصف مصر» التي أعدها علماء الحملة الفرنسية، ولفت انتباهه مشروع القناة.

أقام لاحقا في مصر وأصبح قنصلا عاما، وبنى علاقة شخصية مع الأمير محمد سعيد، نجل محمد علي، الذي كان يعلمه ركوب الخيل ويجلب له سرا أطباق المكرونة التي كان يحبها.

غادر دي لسبس مصر عام 1837 وواصل مسيرته الدبلوماسية، قبل أن تنتهي بصورة غير موفقة بعد أزمة سياسية خلال عمله في روما عام 1849.

انسحب من السلك الدبلوماسي وعاد إلى فرنسا، لكنه لم يتخل عن فكرة السويس.

كتب مذكرة عن المشروع وترجمها إلى العربية، من دون أن تحظى باهتمام يذكر.

تغير كل شيء عام 1854 عندما أصبح صديقه القديم محمد سعيد حاكما لمصر.

سارع دي لسبس إلى التواصل معه، ودعاه سعيد إلى القاهرة.

استغل دي لسبس صداقته القديمة بالحاكم وقدرته الكبيرة على الإقناع.

قدم القناة إلى سعيد باعتبارها مشروعا تاريخيا يضع اسمه إلى جوار الفراعنة الذين تركوا الأهرامات.

وافق سعيد، وبدأ دي لسبس حملة سياسية ومالية واسعة في فرنسا وأوروبا، في مواجهة معارضة بريطانية شديدة وتحفظ عثماني مستمر.

اتسع المشروع عن مجرد حفر ممر ملاحي. شملت الخطة إنشاء مدينتين جديدتين، تطوير مدينة السويس، حفر قناة للمياه العذبة من النيل، وإنشاء مناطق زراعية واسعة تابعة لشركة قناة السويس.

تأسست الشركة في 15 ديسمبر 1858. نجح الاكتتاب بدرجة كبيرة في فرنسا، واشترى آلاف المستثمرين الفرنسيين الصغار نحو 200 ألف سهم بدافع الحماس للمشروع والرغبة في تحدي بريطانيا.

بقيت نسبة كبيرة من الأسهم بلا مشترين، فضغط دي لسبس على سعيد لشرائها باسم الحكومة المصرية.

أصبحت مصر تملك نحو 44 في المئة من الأسهم، مقابل 52 في المئة لمستثمرين فرنسيين ونحو 4 في المئة لمساهمين آخرين.

لذلك يصف المقال المشروع في بدايته بأنه مشروع فرنسي ـ مصري، مع ملاحظة أن التزام مصر المالي الضخم ساهم في إضعاف ماليتها لاحقا.

واجه الحفر مشكلة نقص العمال. في أغسطس 1861 كان يعمل في المشروع نحو 12 ألف رجل، بينما قدرت الحاجة بنحو 30 ألفا.

طلب دي لسبس من سعيد استخدام نظام السخرة الذي كان مطبقا في أعمال الري.

نقل آلاف الفلاحين المصريين قسرا من قراهم، وسار بعضهم مئات الكيلومترات مقيدين بالحبال قبل الوصول إلى مواقع الحفر في الصحراء.

كانت ظروف العمل قاسية للغاية، عانى العمال نقص الغذاء والمياه، وانتشرت الكوليرا والتيفوس، واعتمد الحفر في المراحل الأولى بدرجة كبيرة على العمل اليدوي.

يشير المقال إلى أن نحو 400 ألف فلاح جرى استدعاؤهم للعمل بين 1859 و1862 من إجمالي عدد سكان مصر الذي تراوح بين خمسة وستة ملايين نسمة.

لا يوجد رقم دقيق للوفيات. يرى الكاتب أن رقم 120 ألف قتيل الذي ذكره عبد الناصر عام 1956 مبالغ فيه تاريخيا، مع تأكيد أن آلافا وربما عشرات الآلاف ماتوا نتيجة الأمراض والإجهاد وظروف العمل.

توفي سعيد في يناير 1863 وخلفه الخديو إسماعيل، الذي تبنى موقفا أكثر تحفظا تجاه الشركة وقال عبارته الشهيرة: «القناة لمصر، وليست مصر للقناة»

سعى إسماعيل إلى تقليص امتيازات الشركة واستعادة قدر أكبر من السيطرة المصرية، ونجح في إنهاء نظام السخرة، وإن اضطرت مصر إلى دفع تعويضات مالية كبيرة للشركة في المقابل.

أدى إلغاء السخرة إلى تغيير طريقة تنفيذ المشروع.

انتقل العمل من الاعتماد على عشرات الآلاف من الفلاحين إلى استخدام الآلات والجرافات والعمالة الفنية المتخصصة.

لعب المهندس الفرنسي فرانسوا فيليب فوازان دورا رئيسيا في تنظيم الموقع وتحويله إلى ورشة صناعية ضخمة.

جاءت أعداد كبيرة من العمال المهرة من إيطاليا واليونان، وأصبحت عمليات الحفر أكثر سرعة وانتظاما.

اكتمل رصيف بورسعيد عام 1865، وتحسنت البنية اللوجستية مع إنشاء خط سكة حديد مواز للقناة وورش صناعية كبيرة.

وفي مارس 1866 وافقت الدولة العثمانية رسميا على المشروع، بعد سبع سنوات من بدء العمل.

تحولت مواقع الحفر خلال سنوات قليلة من عمليات تعتمد على المجارف والعمل اليدوي إلى منظومة صناعية تستخدم الجرافات والآلات الثقيلة.

نشأت في الوقت نفسه مدن جديدة حول المشروع.

توسعت بورسعيد مع تمييز اجتماعي واضح بين الأحياء الأوروبية الراقية المطلة على البحر والأحياء الفقيرة القريبة من بحيرة المنزلة والمعرضة للفيضانات.

وتوسعت الإسماعيلية كذلك باعتبارها المركز الإداري للمشروع. وفي أغسطس 1869 التقت مياه البحر المتوسط والبحر الأحمر في البحيرات المرة، لتتحقق الفكرة التي راودت أجيالا من المهندسين والمفكرين الأوروبيين.

افتتحت القناة رسميا في 17 نوفمبر 1869 في احتفال وصفه المقال بأنه أحد أكثر احتفالات القرن التاسع عشر بذخا.

حضر إمبراطور النمسا فرانز جوزيف وولي عهد بروسيا فريدريك الثالث وأمير هولندا وليام أورانج، بينما غابت الملكة فيكتوريا والسلطان العثماني عبد العزيز.

لم يحضر نابليون الثالث بسبب مرضه، فأصبحت الإمبراطورة أوجيني الشخصية الأبرز في الاحتفال.

قادت السفينة الفرنسية «ليغل» موكب العبور الأول، وأقيمت مراسم دينية مشتركة مسيحية وإسلامية، وهي واقعة استثنائية في ذلك الوقت.

شارك نحو سبعة آلاف مدعو في الاحتفالات والولائم والعروض التي امتدت على طول القناة. وفي 20 نوفمبر وصلت السفن إلى السويس، وأصبحت القناة جاهزة للملاحة الدولية.

يخلص المقال إلى أن نجاح دي لسبس جاء من قدرته على بناء التحالفات السياسية وحشد التمويل وتجاوز المعارضة أكثر مما جاء من معرفة هندسية يمتلكها شخصيا.

المهندسون والعمال هم الذين حلوا المشكلات التقنية، بينما تكفل هو بتأمين الدعم السياسي والمالي وتحويل المشروع إلى قضية أوروبية كبرى.

ساعدته صداقته بسعيد باشا، وصلاته بالنخبة الفرنسية، وجرأته وقدرته الاستثنائية على الترويج لنفسه وللمشروع.

أما الوجه الآخر لهذا النجاح فكان الثمن المصري المرتفع:

موارد مالية ضخمة، مئات الآلاف من الفلاحين الذين استدعوا للعمل، آلاف الوفيات، وامتيازات واسعة منحت لشركة أجنبية.

تحول الإنجاز الهندسي الذي احتفلت به أوروبا لاحقا إلى أحد العوامل التي عمقت تبعية مصر المالية والسياسية.

خلاصة المقال:

لم يخترع فرديناند دي لسبس فكرة قناة السويس ولم يصممها هندسيا، وإنما نجح حيث فشل آخرون لأنه جمع بين العلاقات الشخصية والدبلوماسية والمثابرة والدعاية والقدرة على تعبئة رأس المال.

صنع من فكرة عمرها آلاف السنين مشروعا قابلا للتنفيذ، مستفيدا بدرجة كبيرة من دعم الدولة المصرية ومواردها وعمالها.

وعندما افتتحت القناة عام 1869 كانت في الوقت نفسه انتصارا تقنيا وسياسيا مذهلا، وبداية لمرحلة جديدة من التجارة العالمية والتوسع الاستعماري الأوروبي، كما كانت بداية سلسلة طويلة من الأعباء المالية والسياسية التي ستدفع مصر بعد نحو تسعين عاما إلى تأميمها واستعادة السيطرة عليها.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك