ضياع الحارة والبطل الشعبي في دراما مصر ؟
انكسر "البطل الشعبي" في وعينا؛ فبعد أن كان "رأفت الهجان" بطلاً وطنياً بامتياز، و"بشر عامر عبد الظاهر وحسن ارابيسك" رمزاً للبحث عن الهوية، و"وهدان القط وعباس الضو و منصور المغازي وحياة الجوهري وطه السماحي ومفيد أبو الغار " عنواناً للثبات على المبدأ

مرافعة في سيرة الإفلاس الدرامي
عن “الحارة” التي ضاعت و”البطل الشعبي ” الذي انتحر
كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، كان التلفزيون المصري هو “عمدة” الليالي العربية، والقبلة التي يرتد إليها بصر الخلق من المحيط إلى الخليج ليجدوا أنفسهم في مرآة صادقة. لم تكن الدراما في وجدان المصريين مجرد “تسلية” تضيع بها ساعات الصيام، بل كانت “ديوان الحياة وكف مصر وشراينها”، ومعركة وعي تُخاض بالكلمة والصورة، وسيمفونية وطنية تعيد صياغة الهوية وترسم روح الانتماء. أما اليوم، فنحن نقف بمرارة أمام “أطلال” درامية خربة يعشش فيها البوم والغربان ، حيث سادت لغة “السرسجة” وغابت لغة “الموقف”، وتحول البطل الشعبي الذي كان يحمي “العرض والأرض” إلى “موديل” يروج للعنف الفج والبلطجة المغلفة بكذبة “انعكاس الشارع”.

زمن مقاولات الدراما
أننا نعيش زمن “الدراما السداح مداح”؛ زمن غاب فيه “المايسترو” وحضر “المقاول”، حيث يُذبح المنطق يومياً على قرابين “التريند”، وتُباع الذائقة العامة في سوق “النطاعة” والمشاهدات الوهمية التي تُشترى بـ “اللايك” وتُباع بـ “الابتذال”.
لقد تحول “الإبداع” في بلادنا إلى “مقاولات أنفار”؛ فالمؤلف يكتب “على الريحة وحسب طلب الزبون “، والمخرج يصور “بالقطعة”، والنجم يتعامل مع الدور بمنطق “تخليص الحق”. والناظر في خريطة الإنتاج الأخير يدرك أننا لسنا بصدد أزمة نصوص فحسب، بل نحن بصدد “جائحة فكرية” أدت إلى انهيار “الحارة المصرية” درامياً.
عكاشة ومحسن زايد ويسري وعبد القوي
في دفاتر أسامة أنور عكاشة ومحسن زايد، كانت الحارة هي “مصر الصغرى”، تنبض بالحياة، تسمع فيها طقطقة الزهر على المقاهي، وتشم رائحة “المستكة” في بيوت السيدة وعابدين، وتتحسس طزاجة الخضار في جزيرة الرحمانية، و صوت القطار القادم من دمنهور حاملاً أحلام و أوجاع المعذبون في الأرض. أما حارة اليوم، فهي مجرد “ديكور” بلاستيكي في استديو معقم، وشخصيات كرتونية ترتدي “ملابس لاتشبه أيامنا”، مما خلق قطيعة نفسية بين المشاهد وما يراه. الناس اليوم يتابعون المسلسلات وكأنهم يتصفحون “كتالوج” أثاث في مدن بلا صدفة، لا قصة تخص حياتهم، ولا وجعاً يشبه أنينهم.

النجم القاهر
ويكتمل هذا التفسخ بظهور “سيكولوجية النجم الإله” الذي دمر مفهوم البطولة الجماعية. لقد برزت طبقة من الممثلين تتعامل مع العمل الدرامي بوصفه “عزبة خاصة”؛ فالنجم هو من يختار المخرج ليحوله لمجرد “منفذ حركة “، وهو من يوافق على الزملاء بشرط ألا “يسرق” أحدهم الكاميرا من بريقه المزيف، وهو من يملي التعديلات على السيناريو ليضمن صعوده الأسطوري في كل حلقة.
بذلك، انكسر “البطل الشعبي” في وعينا؛ فبعد أن كان “رأفت الهجان” بطلاً وطنياً بامتياز، و”بشر عامر عبد الظاهر وحسن ارابيسك” رمزاً للبحث عن الهوية، و”وهدان القط وعباس الضو و منصور المغازي وحياة الجوهري وطه السماحي ومفيد أبو الغار ” عنواناً للثبات على المبدأ، أصبح البطل اليوم كائناً “سوبر” لا يهزم، يتحدث “بالقفية” السوقية، ويمارس العنف كمنهج حياة، ويمتلك أسطول سيارات فارهة وسط حارة يطحنها الفقر. هذا ليس بطلاً شعبياً، بل هو “تشويه متعمد” لسمعة المواطن المصري، وتحريض علني للشباب على أن الحق يُؤخذ بـ “الذراع” لا بالخلق، وبـ “البلطجة” لا بالقانون.

إن الأزمة الحقيقية تكمن في تحول الفن إلى “وجبة سريعة التلف”؛ فالدراما التي كانت تُطبخ على نار هادئة لتعيش عقوداً، أصبحت تُحضر بنظام “الديليفري” لتستهلك في شهر رمضان ثم تُلقى في سلة نسيان التاريخ. لقد استبدلنا “المؤلف المفكر” بـ “ورش الكتابة” التي تفتقد لروح المشروع، واستبدلنا “الناقد الحقيقي” بخوارزميات السوشيال ميديا التي تُعلي من شأن التفاهة وتجعل من “الفضيحة” معياراً للنجاح. نحن أمام “تسطيح ممنهج” للعقل المصري، حيث تغيب القضايا الكبرى وتتصدر المشهد صراعات “الضراير” ونزاعات “الموتورين”.
إفلاس إبداعي
أمام هذا “الإفلاس الإبداعي” الذي لم يعد يُعالج بزيادة الأجور ولا ببريق “الافيشات” الضخمة، ولا بتكتلات الشركات الكبرى لم يعد أمامنا إلا أن نطالب بصراحة: أغلقوا “الدكان” سنتين! إننا ندعو صنّاع الدراما جميعاً لـ “إجازة إجبارية”؛ اعتزلوا سنتين أو ثلاثاً، لا بأس! خذوا هذه الفترة لـ “غسل السمعة” الفنية، اذهبوا واقرأوا ما فاتكم من روايات عالمية، اجلسوا على المقاهي الشعبية الحقيقية واسمعوا أنين الناس الصادق لا أنينكم المصطنع، تأملوا وجوه المارة الذين لم تعد تعنيهم صراعاتكم التافهة. إن التربة الإبداعية في مصر تعاني من “التملح وارتفاع نسبة السبخ والعتل ” بسبب الأسمدة الكيماوية والمشاهدات الوهمية، والاستمرار في زراعتها بمحاصيل مشوهة لن يؤدي إلا إلى بوار الأرض تماماً لكل من ساهم في انهيار الدراما خلال السنوات الأخيرة أفعلوها لو كان عندكم دم واسكتوا سنتان .. سنتان من “الصمت المقدس” خيرٌ لنا ولكم من مائة مسلسل “سلق بيض” يفسد الذوق العام ويهدم ما تبقى من وقار الكاميرا.

إلى عزب الدراما
رسالة مفتوحة إلى “أرباب العزبة الدرامية”: إن التاريخ لا يرحم “الكومبارس” الذين توهموا أنهم أبطال لمجرد أن أسماءهم تصدرت الشاشات بـ “قوة السلاح الإنتاجي”. إلى النقابات التي تصمت عن الابتذال، وإلى شركات الإنتاج التي تستثمر في “العنف” بدلاً من “العقل”، وإلى النجوم الذين غرقوا في نرجسيتهم: تواضعوا قليلاً أمام عظمة الفن.
إن الجمهور المصري صبور، لكنه إذا كره “قلب الموج عليه”. ارحلوا الآن بكرامتكم لعل الغياب يوقظ فيكم المبدع الذي قتله “المحاسب”، وعودوا إلينا فقط عندما تملكون قصة تخجلون من عدم حكايتها.. قصة تشبهنا، تشبه رائحة خبزنا، وأحلام أطفالنا، وصبر آبائنا. إن الصمت في حضرة العجز فضيلة، والسلام على من اتبع “المنطق” في الفن والجمال والحياة.






