إبداع
أحمد سراج
أحمد سراج

كاتب وأعلامي وشاعر

صنع الأكاذيب يُقيد الغول

يخفي القرش هنا رموزه بعناية عبر قصة محكمة، تتكرر حولنا حتى لنحسب أنه يريد التعبير عن "تنابلة السلطان"

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في “بادشاه” قصص قصيرة لسعد القرش، عن دار الشروق

يميل الكثيرون إلى اعتبار القصة لقطة كاميرا أو مشهد قصير على أقصى تقدير، مقارنة بالفيلم الكامل الذي تمثله الرواية، فلماذا يلجأ روائي لالتقاط صور من أزمنة منسية، وأماكن هامشية؟ لماذا لجأ سعد القرش إلى مصنع الأكاذيب؟

سيثير العنوان “بادشاه” الكثير من الأسئلة التي ستدفع القارئ للتفكير، وإلى اقتراح الإجابة، ثم إلى قراءة المجموعة، وبهذا يدخل القارئ “النهر” فهل سيخرج كما دخل، والنهر هو “بادشاه” لسعد القرش، الصادرة عن دار الشروق في مائة صفحة، مكونة من إحدى عشرة قصة.

العنوان الجاذب سيقودك في رحلة تاريخية مكانية لانتقال الكلمة من في سهول آسيا من أقصاها إلى أقصاها، ومعه ستتخيل أنك ستواجه هيمنة وسلطة على أعلى مستوى فهي كلمة فارسية تعني الملك السيد، وقد استخدمت حضارات آسيا اللفظ عبر العصور، ووصل إلينا في أيام الملكية معبرًا عن لقب يدل على الثراء الكبير والقرب من القصر، لقد حمله ولاة مصر وخديووها وسلاطينها وملوكها في الفترة العلوية، فأين هذا من قرية مصرية يغمرها النيل حينًا، ويحرمها أحيانًا ويعزلها دائمًا؟

تبدأ القصة بامرأة تجاوزت المئة “الجدة سنية” وهي تلوم نفسها على أنها لم تزر “ولي النعم” ويرد زوجها الجد مبروك أن قلب ولي النعم يسع حتى الغافلين منهم، ويقرب الناص عدسته من العجوز والشيخ الفاني وهما يستعيدان لحظة “عجائبية” حين كانا ضيفين لاجئين على البادشاه، وفيها ضاجع مبروك زوجته العقيم، ومنها أنجبت واتسعت ذريتهما.
وقبل أن يسأل القارئ عن الرابط بين الفقراء وبين البادشاه، تأتي الحكاية منذ لحظة محاولة تمساح أكل مساعد مبروك الصغير، ولأن مبروك الصياد استعار الطفل لأنه ليس له ولد، وسيقع في أزمة كبرى إن حدث له مكروه، يدخل في صراع يائس مع التمساح يسفر عن سقوط الثلاثة من قارب الصيد، وقبل الغرق أو الالتهام يظهر رجال البادشاه في قارب ضخم وينقذون الثلاثة، بل ويطعمونهم، ويحملونهم معهم إلى قصر سيدهم، وهناك ومع النعيم الدائم يفقد مبروك رغبته في العمل، ورغم شراء البادشاه قاربًا جديدًا فمبروك لا يذهب للعمل، يتفرغ هو وزوجته لشكر ولي النعم، ويصبح ككل من ينقذهم البادشاه عاطلاً يعيش على هباته، ولشكره، ويتفرع عن الشكر الشفهي شكرٌ مكتوب، وعن الكلمة الواحدة نسق كامل يحوي أدعية وأذكار وقطع خشبية وقلائد، فيما لا يكترث البادشاه لكل هذا، وفيما يضجر رجاله ويتساءلون: متى يعمل هؤلاء المتاعيس الكسالى؟

يخفي القرش هنا رموزه بعناية عبر قصة محكمة، تتكرر حولنا حتى لنحسب أنه يريد التعبير عن “تنابلة السلطان” لكنه وعبر شفرات معقدة يطرح أسئلته: لماذا صار الناس تنابلة؟ هل كان قتل التمساح (رمز الطبيعة، والنيل) هو الحل؟ ولماذا علق التمساح (رمز الخطر) على جانب السفينة؟ ومن زرع في الناس التنبلة وفقدان الإنسانية من حيث هي إعمارٌ وتشييد؟ وهل ترك الناس لواجباتهم وسكوتهم عن حقوقهم لصالح (منقذ) من خطر (مؤقت) هو الحل؟
في “البحث عن شيطان” يعيد الناص تشكيل شبكة رموزه المعقدة، فيجعلها أشبه بسهم واحد يتكون من رموز متتالية، سيختار قرية مصرية في أواسط القرن العشرين على أكثر تقدير، يدلك على ذلك؛ نمط الملكية، وطريقة عمل الفلاحين والفلاحين، عودة النحاس للوزارة، تعاطف الكثيرين مع الألمان لتحريرهم من الإنجليز، تبدأ القصة بـ” رمضان” ولنلحظ دلالة الاسم الدينية واللغوية، وهو يرى فتاة تغرس وجه زوجته في (الجلة) لاختلافهما على ملكيته، هذا الفقر المدقع الذي شهدته مصر ويعرفه أجدادنا اخترع قوانين للحياة، أبشع من قانون الغاب، ومن تجبر العمد والباشاوات، وبموجب هذا القانون يسمح للغازي بأخذ نصف المحصول دون تعب، أو كله إن رفض المغزو مع غرس وجهه في الجلة والسخرية منه وتجريسه.
سكينة زوج رمضان تحاول مساعدة زوجها عامل اليومية بأن تجمع روث الماشية، لكن فتاة تسرع بوضع إصبعها في الروث قبل أن تحمله سكينة، وتقسمه (بالقانون) وحين تحاول سكينة رد الحق، تجد وجهها في الروث، وطشتها فارغ، والفتاة وصواحبها يمارسن عادة المنتصر المهين، وابن خلدون يقرأ “الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها”والمغلوب مولعٌ بتقليد الغالب” وقانون المشوهين يزيد تشويههم؛ فما معنى أن يصح لشخص اقتسام محصول أحد لأنه وضع إصبعه فيه، إتاوة نقلتها الفتيات عن العمد والملاك عن عزيز مصر مخترع قانون “حق الانتفاع”.
يرى رمضان المشهد كاملاً، فيغير طريقه، ويدبر طريقة للتخفيف عن زوجته، ما أمر العيش لولا التحايل! ثم يذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة، بعد أن فعل أقصى ما يفخر به فلاح؛ ملأ عين زوجته، وزوجته فعلت أقصى ما فخرت به نسوة الريف؛ ملأت أكبر رقعة أمام بيتها بماء الاستحمام طافية فوقه فقاعات الصابون أبي ريحة، وهكذا نصر الفقير زوجته دون دخول في معركة سينكسر فيها.
يتحرك رمضان لصلاة الجمعة، وحين يدخل يجد العمدة يطلب منه ان يخطب لأن الخطيب غائب، ويصعد رمضان الذي كان قد نسي أنه طالب أزهر لم يكمل تعليمه لفقره، لكن لحقته عزة العلم فلم يعمل تمليًّا حيث “مسلمون بلا إسلام”، وإنما في مصنع الخواجه حيث “الإسلام دون مسلمين” إذ يأخذ أجره قبل أن يجف عرقه، يحمد الله على عودة مصطفى النحاس باشا للوزارة، ويدعو الله أن ينصر الألمان ويخرج الإنجليز، ثم يجلس وفي الخطبة الثانية يتحدث عن “إتقان العمل” محددًا الحقوق باختصار وتوسعة، والواجبات باستفاضة وتخويف، ثم يهبط، وقبل أن يصل إلى بيته تصل فطيرة الأسبوع من العمدة، ومعها تعيينه شيخًا وخطيبًا، وترقية زوجته إلى “أم زاهر” تقولها زوجة العمدة ومن ورائها القرية بالهدايا والعطايا، وهكذا تنفتح لرمضان أبواب الجنة الأرضية..

وكي يحافظ عليها رمضان يغرق في السفاسف والتخويفات، ويبحث عن المشكلات كي يحذر وينذر ويتوعد، وحين لا يجد مشكلة يتناص مع نزار بتحريف مفزع “الشر في الأرض بعض من تخيلنا.. لو لم نجده على الأرض لاخترعناه” فيلجأ إلى سرقة قنديل المسجد وحصيره؛ كي يعثر على موضوع للخطبة؟ هل نحن أمام قصة جرت في (العهد البائد) أم أمام لاعب ثلاث ورقات انطلق من خمسينيات القرن ليفرش منضدته ويجتذب الضحايا، مستعينًا بإرث أسلافه، وطامعًا في فطيرة العمدة وهبات الفقراء ورضا المستبد؟
في “مناجاة” وبنقلة نوعية يذهب الناص إلى التناص مع قصة وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، لكن بعين أمل دنقل في” مقابلة خاصة مع ابن نوح” يناجي وحشي ربه شاكيًا له ما يلقى رغم إسلامه، ورفضه لخيانة المسلمين، بل وقتله أخطر متنبئ عرفه المسلمون؛ مسيلمة الكذاب، ويتساءل: لماذا سومحت آكلة الأكباد وهي المدبرة الحرة السيدة وظللت أنا في جهنم العقاب والطرد.. واختيار الناص هنا لضمير لعنوان “مناجاة” ولضمير “المتكلم” وللتداعي الحر ظاهرًا، السببي فنيًّا، تبدو القصة مرافعة بليغة عن وحشي.. لكن هل قصده الناص أم قصد آخرين؟
تبدو “الداخل” استكمالاً لـ“مناجاة” فليس المطرود لاعتراضه وقلة ناصره، بأسعد حالاً ممن دخل مكانًا لا يعرف، وفلتت منه دون أن يدري: “لا” لتنقلب الدنيا بكاملها عليه، وليجد العالم كله ضده، من تحقيق إلى تحقيق، وتهمته التي لا تغتفر حرفان فقط، ينتهيان به إلى حريق لا حدود له.
في المقابل من يمكنه أن يعيش ويمتلك، ويقرب من أصحاب السلطان، إنه “الفرارجي” حتى لو لم يمتلك محل بيع دجاج، ولا دجاج، المهم أن يجيد التعامل مع “البيض” فإن أجاد امتلك، وإن خاب هلك.
هل الوطنيون خارج الزمن؟ ديناصورات تنتظر الانقراض، يمضي عليها الزمن ليريها انكسار كل شيء، وحمل كل القيم إلى الخواء العميم؟ عبر قائد سيارة رئيس أركان حرب أكتوبر الذي تركه سيده واختفى ليصبح شاهدًا على ضياع البلاد والعباد يحاول الناص عبر رمزياته الإجابة عن هذه الأسئلة.
“خمسة أطياف” وعبر مونولوجات خمسة تتحدث أم ميتة عن ابنها الي وهبها حياته، وحين قرر أن يلتفت إلى مستقبله تحاملت لتودعه، وما إن غادرها حتى ماتت وتركته ضائعًا، لم تبح له بما في داخله، وعند رحيل الجميع تتمنى أن يعود فتبوح.. فهل الأم هي كل القيم التي عشنا لأجلها دون أن تعيرنا التفاتًا؟
هل كان على الأم أن تصمت عن أوجاعها؟ ماذا لو باحت؟ تجيب “سكين” فيما يشبه المعارضة عن السؤال؛ ففي عالم مملوء بالفقر لا تملك أم محبة إلا أن تطيع ابنها وتذهب معه لبيع الخروف، وبعد أن يبخس التاجر ثمنه، يسرق الثمن أحد أتباعه، وفي ذروة الغضب تعطي الأم ابنها سكينًا لينتقم، ويضيع مستقبله، وفي السياق الأسري تأتي قصة “عيد” عن شبكة تضحيات الفقراء من أجل بعضهم البعض؛ الأم التي تضحي بطعام العيد من أجل أختها التي تضحي من أجل زوجها المريض وأمه القعيدة، جو كافكاوي لا يفلتك إلا لتتنفس بعض الهواء المر، وتعود لتسأل: ماذا يريد الكاتب هنا؟، وفي “عجوز” وعبر قصة شاب تأتيه امرأة ليل وحين تتأخر يدخل عليها صديقاه، ويعدانه بالتعويض وحين يضرب لها موعدًا آخر يجد عجوزًا في بئر السلم تطلب منه أن يعيدها إلى بيتها لأن ابنتها تركتها، وفي رحلته يرى ما يجري حوله بشكل عبثي، دون أن يكترث بشيء.

في “وله” حكاية على لسان حفيد عن جدته الزاهدة التي عاشت مائة عام، تستيقظ الفجر وتمارس حياتها، وحتى حين مات زوجها، وكبر أبناؤها، لم يمت ولهها بحياتها التي قدمتها على كل شيء، أن تستيقظ مع الفجر، رغم انه لا عمل لها، وتلوم على أبنائها المتزوجين استمرار نومهم بجوار زوجاتهم، وتقول للحفيد إن جده كل ليلة يمد يده وهي ترفض، دون أن تعرف سر رفضها.. حين تمرض وعلى مدار يومين يجهز أبناؤها مقبرتها؛ لكنهم يفاجأون بها وقد أتت إلى المقابر لتلومهم على إهمالهم معايش الحياة، فهل هذه الجدة هي كل منا تجاه من يعول؛ اهتمام مفرط بكل تفصيلة.

في القرن الرابع عشر في روما، داخل غرفة فسيحة من حجرات قصر الفاتيكان، اسمها “مصنع الأكاذيب” يتردد نفر من سكرتيري البابا وأصدقائهم للهو، تخترع قصص، وتروى حكايات طريفة عن رجال إيطاليا ونسائها، وحتى لا تحكى قصصهم كان أهل روما يحضرون بانتظام، وهناك برع “بوتشيو” ذو الخيال الخصب الذي جمع نوادر مصنع الأكاذيب وسماها “الفاشيتيا” وتبعه في القرن ذاته بوكاشيو حين ألف “الديكاميرون” مائة حكاية على لسان سبع سيدات وثلاث رجال كلهم فارون من الطاعون كتبوا في محبة الحياة، بعدها بسبعة قرون يأتي سعد القرش، بإحدى عشرة قصة؛ لا ليمارس النميمة العلنية، ولا ليهرب من الطاعون، بل ليقيد الغيلان التي تنهش روحنا، وعلى مهلٍ كمن يفكك لغمًا، فيما تحبس أنفاسنا خشية انفجار اللغم، وتحرر الغول، دون أن ندرك أننا شيئًا فشيئًا نتحرر، ونتحرر، ونتحرر

شارك المقال: